قصة المسجد الذي يرمّم كل سنة!

جاد محيدلي | 9 آب 2019 | 18:00

تنتشر الكثير من المساجد المميزة حول العالم، إلا أن "الجامع الكبير" يعتبر أبرزها. يقع في بلدة جينيه، في منطقة نائية قاحلة في الصحراء جنوبي مالي. يتميز ببناء جذاب وفريد، وهو مقام على مساحة طولها 91 متراً ويرتفع إلى 20 متراً، وهو أضخم بناية مشيدة من الطوب الطيني في العالم. يعتبر أجمل مثال على طراز العمارة السودانية السواحيلية الذي يميز تلك المنطقة، كما يتميز باستخدام الطوب الطيني والسقالات الخشبية. ويعتبر المسجد أهم موقع في بلدة "جينيه" المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي. هذه البلدة مأهولة بالسكان منذ 250 سنة قبل الميلاد، الأمر الذي يجعلها واحدة من أقدم المدن في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. يضم "الجامع الكبير" ثلاث مآذن مميزة، وتبرز خارج جدران المبنى مئات القوائم الخشبية من النخيل والتي تعرف باسم "تورون" أي الحبال، ويحتفظ ببرودته خلال الأيام شديدة الحرارة. ويدعم السقف والجدران سقيفة مكونة من 90 قائماً خشبياً، وهو ما يوفر عازلاً عن حرارة الشمس، بينما توجد ثقوب في السقف تسمح بمرور الهواء النظيف في موسم الصيف والجفاف، ويمكن سدها بأغطية طينية أثناء موسم المطر. وتتسع قاعة الصلاة في المسجد لثلاثة آلاف شخص.

اللافت في الأمر ليس فقط تاريخ أو جمال المسجد، بل اللافت أكثر أنه يُعاد بناء جدران "الجامع الكبير" في شهر نيسان من كل عام في يوم يطلق عليه بالفرنسية "لا كريبيساج" (أي إعادة كساء المبنى بالطين). ويتطلب البناء صيانة سنوية كما هو متبع مع بيوت البلدة التقليدية المبنية بالطين اللبن، وذلك قبل أن يحل موسم المطر القصير شديد الغزارة، والذي يأتي غالباً في تموز وآب من كل عام، إذ يهطل في هذه الفترة معظم المعدل السنوي للأمطار البالغ ألف ملليمتر. وتضمن هذه المبادرة الجماعية الهائلة صمود المسجد أمام الانهيار خلال موسم المطر، على الرغم من اختلاف شكله بعض الشيء في كل عام. ولا يعد الاحتفال مناسبة مهمة للصيانة بهدف حماية جدران المسجد من التشقق والانهيار فحسب، بل هو احتفال يعكس معتقدات وتراث أهالي جينيه. يشارك أهل البلدة في مهرجان للرقص والغناء يُعرف بليلة السهر. وتدوي في الشوارع صيحات ودقات طبول قبل أن تُطلق الصافرة حوالي الساعة الرابعة فجراً ليبدأ الحدث السنوي الأهم.

بعد بدء عملية "إعادة كساء المبنى بالطين"، تتنافس فرق من كل أحياء جينيه لإعادة كساء المسجد بعناية ودقة وسرعة. يتسلق الشباب واجهة المسجد، تحت إشراف مجموعة من 80 بناءً،  حاملين السلال المصنوعة من الخيزران مملوءة بالطين المبلل ويكسون الجدران بطبقات سميكة من الطين. وتتنافس الفرق في ما بينها لإكمال القسم الخاص بكل منها أولاً، والفوز في هذه المنافسة مصدر فخر حقيقي للمتنافسين الذين يتسلم الفائز منهم أيضا جائزة مالية بالعملة المحلية. وبالإضافة إلى أعمال الترميم، يقوم الرجال بمهمة تحضير وإعداد مادة البناء المعروفة باسم "بانكو"، وهي مزيج من الطين الناعم من الأنهار القريبة، وقش الأرز، ومسحوق الباوباب (شجر ضخم ينبت في البلاد الحارة) وزُبدة الشيا والماء. وفي ذلك اليوم الاحتفالي يُسمح للنساء بدخول المسجد، وإحضار الماء من النهر وخلطه بالمكونات الأخرى لصنع طين البانكو. وبعد نحو خمس ساعات من بدء هذه العملية، تشرق شمس الصباح لتضيء المسجد الذي اكتست جدرانه بالطين الجديد والذي يكتمل في العادة بحلول التاسعة صباحاً. وعلى الرغم من تاريخ المسجد الذي يمتد إلى قرون طويلة، فإنه يظل جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الحديث في مالي. 

 وسنقدم لكم أبرز صور المسجد ويوم الترميم السنوي:











إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.