ما هو النقش الأثري الغريب الذي حيّر العلماء؟

جاد محيدلي | 19 تشرين الثاني 2019 | 19:00

عثر علماء الآثار على نقش يمثل كائناً عابس الوجه يرتدي غطاء رأس يزينه الريش ويمتطي وحشاً مخيفاً، واعتُبر هذا الاكتشاف غريباً لأن العلماء احتاروا في تفسير هذا النقش الذي يمثّل دون شك كائناً يتمتع بقدرات هائلة، ربما تفوق الطبيعة، فلديه مخالب حادة وعيونٌ جاحظة. ولكن من هي فعلاً هذه الشخصية؟

هذا النقش موجود حالياً في متحف مقاطعة شيجيانغ في مدينة هانغتشو. واكتشف علماء الآثار الحجر الأسطواني من الداخل والمربع من الخارج وله مركز أنبوبي الشكل، في مقابر احتوت على رفات شخصيات بارزة لمجتمع معقّد في أواخر العصر الحجري الحديث، وازدهر في الألفية الثالثة قبل الميلاد، في موقع ليانغتشو، الذي يقع على بعد نحو 160 كيلومتراً جنوب غربي شنغهاي. كان المؤرخون قبل هذا الاكتشاف يعتقدون أن أسرة شانغ هي أقدم الأسر الحاكمة الصينية المسجلة تاريخياً، وحكمت خلال العصر البرونزي في الألفية الثانية قبل الميلاد. نقّب العلماء في مقاطعة خنان بامتداد النهر الأصفر، إبان حكم أسرة شانغ، وعثروا على قطع برونزية دقيقة الصنع، من بينها أوعية تستخدم في مراسم خاصة للطعام والنبيذ، وفؤوس نُقشت عليها وجوه مخيفة عابسة، وزُين الكثير من هذه القطع بوجه يشبه القناع لوحش بعيون جاحظة وقرون ملتفة لا يعرف العلماء تحديداً ما المقصود بها.

وبعد ذلك، أتت الاكتشافات الحديثة في ليانغتشو، الواقعة على الحوض الأدنى لنهر يانغتسي، على بعد أكثر من 965 كيلومتراً جنوب شرقي آنيانغ، آخر عواصم أسرة شانغ، لتقلب موازين التسلسل الزمني المعروف لتاريخ الصين، لأن حضارة معقّدة استوطنت قديماً ليانغتشو وخلّفت آثاراً مدهشة حين ازدهرت قبل 1700 عام من تأسيس أسرة شانغ. وربما كانت تلك الحضارة، المعاصرة للحضارة الكيكلادية بجزر إيجة غرباً، هي أقدم حضارة مدنية في شرق آسيا. ويشير بعض العلماء إلى أن الوحش ذا القرون، المنتشر تجسيده على آثار شانغ، ربما استمد شكله من الوحش الآخر ذي العيون التي تشبه الضفادع على القطع المكتشفة في ليانغتشو. وكانت أطلال ليانغتشو قد أُدرجت في وقت سابق من العام الجاري على قائمة منظمة اليونسكو للتراث العالمي.

ويتمتع الزائرون لمتحف ليانغتشو بمشاهدة القطع الأثرية المدهشة المكتشفة بين أطلال المدينة، والمتحف من تصميم المعماري البريطاني ديفيد تشيبرفيلد، ويضم العرض الكثير من القطع التي كانت توارى مع المتوفى، ومنها رؤوس فؤوس وأمشاط زينة وأقراص مستديرة تتوسطها فتحات، أشبه بقطع حلوى نعناع "بولو" المثقوبة. وكانت مدينة ليانغتشو القديمة تقع عند سفح جبل تيانمو، وكانت مدينة محصّنة تحيطها منطقة مستطيلة الشكل، وتحميها خنادق وأسوار مبنية من الطين بعرض لا يقل عن 19.8 متراً. وكان يدخل الزائرون إلى المدينة عبر بوابة من ثماني بوابات مائية، الأمر الذي يرجح بحسب قول عالمَي الآثار، كولين رنفريو وبن ليو، أن "قنوات وشوارع كانت تخترق المدينة". ولا تقتصر الدلائل التي تشير إلى تقدم تلك الحضارة، التي ازدهرت في ليانغتشو ما بين 3300 و2300 عام قبل الميلاد، على القطع الأثرية القيّمة التي عُثر عليها بمقابر نبلاء المدينة، بل اكتشفت شبكة سدود ضخمة، وحقول الأرز المستزرعة بعناية حولها والتي وفّرت الطعام لسكانها.

أما بالنسبة لمغزى نقش هذا الكائن "البشري-الوحشي" حسبما يصفه بعض مؤرخّي الفن، ففي ظل غياب سجلات مكتوبة من موقع ليانغتشو، ليس أمام العلماء إلا التكهن أو الاقتراب قدر الإمكان من الحقيقة. وحتى الآن لا يمكننا الجزم بأن النقش يصور معبوداً أم أحد نبلاء ليانغتشو، وقد كان بعضهم كالعرّافين والكهنة يرتدون أغطية رأس ريشية. ويعتقد العالمان رنفريو وليو أنّ بالإمكان تفسير النقش على الأرجح في "ضوء الأعراف الاجتماعية كرمز له دلالة للعقل الجمعي للمدينة" أو بمعنى آخر ربما كان حلّ الأحجية يتمثل في الإشارة إلى أنه رمز من رموز المدينة أو شعار لها، مثلما تتخذ المدن الحديثة شعارات ورموزاً.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.