لماذا نستمتع بالطعام الحارّ حتى ولو كنا نعذّب أنفسنا؟

جاد محيدلي | 12 كانون الأول 2019 | 19:00

هناك ملايين وربما مليارات من البشر حول العالم يتناولون بانتظام مأكولات حارّة جداً، إما بسبب الطعام التقليدي الحارّ في بلدهم أو بسبب حماسهم لتناول الطعام الحارّ والمرور بهذه التجربة. لكن لماذا نشعر بالاستمتاع والرغبة في تناول الطعام الحارّ؟ لماذا نعذب أنفسنا أحياناً من أجل ذلك؟

تشير شركة إندكس بوكس لتحليل الأسواق إلى أن كلاً منّا قد تناول العام الماضي خمسة كيلوغرامات من الفلفل الحار في المتوسط. وإذا كان قرن الفلفل الأحمر يزن في المتوسط 20 غراماً، فإن ذلك يعني أن كلاً منا تناول نحو 250 إصبعاً حاراً. ففي تركيا على سبيل المثال، يتناول الفرد نحو 86.5 غراماً يومياً وهو المعدل الأعلى عالمياً، وهو بعيد عن المركز الثاني حيث تحل المكسيك التي يتناول فيها الفرد نحو 50.95 غراماً من الأطعمة الحارّة.

بحسب العلماء، تعتبر هذه الرغبة مسألة معقدة تتعلق في شق منها بالسعي وراء الإثارة وفي آخر بالصراع ضد نوازع تطوّرية إن جاز التعبير. إن العملية التي يطوّر بها نبات الفلفل الحار مادة الكابسيسين المسؤولة عن هذه الحرارة، لا تزال محل جدل. ويعلم الباحثون أن النباتات تميل إلى اكتساب الطعم الحار بمرور الوقت، كوسيلة دفاعية ذاتية لردع الثدييات والحشرات عن افتراسها. واكتشف العلماء في جامعة أريزونا الأميركية السرّ وراء ذلك وهو أن الأجهزة الهضمية لدى الثدييات تطحن بذور الفلفل الحار ّ، ما يحول دون صلاحيتها لأن تكون بذوراً تنمو مرة أخرى؛ بخلاف الطيور التي تمرر البذور دون أن تمسها. ولكن، إذا كانت نباتات الفلفل الحار قد طورت تلك المادة الحارة لردع الحيوانات الثديية عن افتراسها، فلماذا لم ينفع ذلك السلاح مع الإنسان؟ ثمة خيوط كاشفة عن السبب في كوننا الثدييات الوحيدة التي تلتهم الفلفل الحار، وإحدى النظريات في هذا الصدد تقول إن الإنسان اتجه إلى الأطعمة الحارة لما تحتويه من خواص مضادة للفطريات والبكتيريا. وقد أدرك الإنسان أن الأطعمة ذات المذاق الحار تكون أقل عرضة للفساد من غيرها. واشتغل علماء في جامعة كورنيل الأميركية عام 1998 على هذه الفرضية؛ حيث حللوا الآلاف من وصفات الأطعمة التقليدية القائمة على اللحوم في 36 دولة وتوصلوا إلى أن التوابل الحارة كانت أكثر استخداماً في المناطق الأكثر حرارة، حيث الأطعمة أكثر عرضة للفساد. وتحتل دول مثل تايلاند، والفلبين، والهند، وماليزيا الصدارة في قائمة الدول التي تستخدم التوابل؛ بينما في المقابل تأتي السويد وفنلندا والنرويج في ذيل القائمة.

تقول باحثة أنثروبولوجيا الطعام، كاوري أوكونور، إن الفلفل الحار، مثله مثل قصب السكر والبطاطس، لم يكن معروفاً على مدى قرون في أوروبا حتى وصل المستكشفون الأوروبيون إلى الأميركتين وبدأوا في فتح سبل للتجارة والانتشار حول العالم. وأينما حل هؤلاء المستكشفون الأوروبيون حول العالم نقلوا معهم الفلفل الحار الذي سرعان ما أصبح بمذاقه القوي أحد مكونات الأطباق التي تقدم حول العالم. لكن ثمة نظرية تتحدى ما سبق من أسباب حبنا للفلفل الحار، تقول إن علاقتنا بالأطعمة الحارة المذاق ناتجة عما يمكن تعريفه باسم "الخطر المتصَنَّع". وتقترح هذه النظرية أن الدافع وراء إقدامنا على تناول الفلفل الحار هو نفس الدافع وراء إقدامنا هذه الأيام على ركوب القطار الأفعواني في مدينة الملاهي أو القفز الحر بالمظلات. صاحب هذه النظرية هو بول روزين، أستاذ علم النفس في جامعة بنسلفانيا، وكان لديه فضول للوقوف على السبب وراء أن الغالبية العظمى من الثدييات لا تأكل الفلفل الحار. وقام روزين بإعطاء عينة من الناس أنواعاً من الفلفل الحار تتزايد درجة حرارتها واحداً تلو الآخر حتى عجز أفراد العينة عن احتمال المزيد. وعندما سألهم عن أي تلك الأنواع يفضلون، كان جوابهم أنهم يفضلون الأنواع الأكثر حرارة التي احتملوها. ويقول في هذا الإطار، يبدو أننا نحب تناول الفلفل الحار للسبب نفسه الذي يجعلنا نستمتع بمشاهدة أفلام الرعب وهو الإثارة والتشويق وارتفاع الأدرينالين. أما عالمة الأغذية نادية بيرنس، فترى أن ثمة احتمالاً أن يكون للجنس دور في هذا الصدد. وتوصلت الباحثة إلى أن دافع الرجال إلى تناول الأطعمة الحارة يتعلق بعوامل خارجية كانطباع الآخرين عن الأشخاص الذين يقبلون على الأطعمة الحارة، بينما يكون سعي النساء أكثر إلى استشعار الألم الناتج عن حرارة تلك الأطعمة. ففي المكسيك، على سبيل المثال، يقترن تناول الفلفل الحار بالقوة والجرأة وسمات الشخصية الرجولية.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.