لماذا لم يستحِمّ المهاجرون الأوائل إلى أميركا؟

جاد محيدلي | 28 كانون الأول 2019 | 20:00

الجميع يعلم أن أميركا هي أرض المهاجرين، لكن للمهاجرين الأوائل قصصاً غريبة انتشرت عبر التاريخ، أبرزها حين وصل هؤلاء إلى أميركا على متن سفينة المايفلاور، أوائل القرن الـ17، وكانوا يتميزون برائحتهم الخاصة، فلم يكن هؤلاء الأوروبيون يستحمّون بانتظام، لا بل كانوا يعارضون ذلك. فما السبب؟

يقول دبليو بيتر وارد، وهو أستاذ التاريخ الفخري بجامعة كولومبيا البريطانية ومؤلف الكتاب الجديد The Clean Body: A Modern History أن "الاستحمام كان أمراً غير مألوف بين الأوروبيين الغربيين حتى نهاية القرن الـ18 الميلادي، حتى أبناء الطبقات الأرستقراطية منهم، فيُقال إن لويس الـ14، ملك فرنسا خلال القرن الـ17 لم يستحم سوى ثلاث مرات في حياته بالكامل، وأغلب الظن أنها كانت بناء على نصيحة الطبيب لعلاج التشنجات، وليس من أجل نظافته الشخصية". وبحسب موقع History الأميركي، كان المهاجرون الأوروبيون يقومون بغسل أيديهم ووجوههم باستمرار، إلا أنهم كانوا لا يغسوون أجسامهم كاملاً بانتظام. وبحسب بعض المؤرخين، كان يعتقد المهاجرون الانفصاليون وأتباعهم من التطهيريين أن غمر جسدهم بالكامل في المياه غير صحي، وأن خلع كامل ملابسهم ينقص من احترامهم، حتى إن فكرة النظافة عندهم لم تكن ترتبط بشكل قوي بالمياه خلال القرن الـ17 في أي مكان في العالم الغربي. وذلك على الرغم من وجود الحمامات العامة في المستعمرات، إلا أنه لم يكن يُنظر إليها على أنها كانت مخصصة للاستحمام، بل كان يُعتقد أنها نوع من أنواع العلاجات الطبية، أو مكان يسترخي فيه الأثرياء.

من جهة أخرى، كانت النظافة في القرن السابع عشر ترتبط بنظافة الملابس الداخلية أكثر منها بنظافة الجسد، فكان الأوروبيون يحافظون على نظافة أنفسهم عن طريق تغيير الملابس البيضاء الكتانية تحت ملابسهم، وكلما كانت الملابس الداخلية أكثر بياضاً دلّ ذلك على نظافة أكثر، لأنهم كانوا يظنون أن الملابس الداخلية الكتانية تمتص الشوائب والأوساخ والعرق. حتى إنه كان من المحبذ أن يظهر جزء بسيط من تلك الملابس الكتانية البيضاء حول الرقبة، حتى يتمكن الأشخاص من رؤية مدى نظافة الشخص الذي يرتديها. كما كانوا يعتقدون أن الحفاظ على نظافة مفارش الأسرّة يحافظ على نظافة أجسادهم، وكان الخلود إلى النوم من دون خلع الملابس الخارجية فعلاً لاأخلاقياً وغير صحي.

أما الأميركيون الأصليون الذين واجهوا المستعمرين، فكان لهم معتقدات أخرى في ما يتعلق بالنظافة الشخصية، مثل شعب وامبانواغ، فكانوا يستحمّون علناً في الأنهار والجداول. وكانوا يعتقدون أن ما يفعله الأوروبيون أمر مقزز ومقرف، فمعظم السكان الأصليين كانت أسنانهم أيضاً أفضل شكلاً من أسنان الأوروبيين. كان السكان الأصليون ينظفون أسنانهم بواسطة مضغ عصيان خشبية، ويمضغون الأعشاب المنعشة مثل النعناع لتطهير الفم وتحسين رائحته ويفركون أسنانهم بالفحم لتبييضها. أما معظم الأوروبيين الوافدين فلم ينظفوا أسنانهم مطلقاً، وكان نظامهم الغذائي أسوأ تأثيراً بشكل عام على صحة الفم. وتبعاً لكل تلك الأسباب، قام المستعمرون، بسبب قلة نظافتهم، بنقل العديد من الميكروبات إلى السكان الأصليين، التي لم يسبق لهم التعرض لها، ولم تكن لديهم مناعة منها، لدرجة أن الأمراض الأوروبية أبادت أكثر من 90% من السكان الأصليين في إقليم نيو إنغلاند الساحلي قبل عام 1620، عام وصول المهاجرين. وعلى مدار عدة عقود تالية لوصولهم أبادت الأمراض الأوروبية ملايين آخرين من السكان الأصليين. 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.