البومة ورمزيّتها بين الشعوب... فأل خير أم شؤم؟

يارا العريضي | 4 آذار 2020 | 16:14

طالما وضع الإنسان المسؤولية على آخرين في تخريب عيشه وحياته، ونسي أنه سبب رئيسي للكوارث والحروب على الأرض. حيوانات الطبيعة نالت من عنصرية البشر ما فيه النصيب، صنّفوها بين خير وشر. أن تصف إنساناً بالحصان يُعدّ مديحاً وأن تصفه بالحمار يُعتبر هجاء، مع العلم أن كليهما من البهائم. كذلك، كرّم البشر الجوارح والطيور لكنهم كانوا سلبيين تجاه الغراب والبوم. 

"ما تنق مثل البومة"، عبارة شهيرة كثيراً ما نسمعها تدل على التشاؤم ومقرونة بكلمة "بومة". هذا الطائر الذي يحلّق ليلًا بصمت، يشكّل مسألة تناقضية لجهة رمزيته لدى مختلف الثقافات والشعوب. إليكم تفسير رمز البومة في الثقافات المختلفة:

العرب

عند العرب، كان طائر البوم في الموروث الشعبي نذير شؤم وخوف قبل ظهور الإسلام، بدا ذلك جلياً حتى في الأدب والشعر. وفي الزمن الحديث كسرت الكاتبة غادة السّمان هذه القاعدة وكتبت قصيدتها الشهيرة: "بومة عاشقة متشائمة"، وكتبت فيها: "كأية بومة أخرى عاشقة، أعتقد أن الليل انتشر ببياضه الفاحم، كي أمارس طيراني".

المصريون القدماء:

سبقت مصر القديمة أوروبا في الاحتفاء بهذا الطائر. وكان البوم طائر الفرعون رمسيس الثاني المفضل، إلى أن ضربته ذات يوم بجناحها على وجهه فكادت تفقأ عينه، فغضب ونقم عليها، وربما تغيرت نظرة المصريين للبومة بعد هذه الحادثة، لكنها ظلت مكانتها في الكتابة الهيروغليفية رمزاً لحرف الميم، ما يشير إلى أن المصريين القدماء لم يعتبروها مصدر شؤم. وفي الموروثات الشعبية المصرية ربطوا بين البوم والروح البشرية، حيث كانت روح المتوفى في معتقداتهم تحلّ ليلاً في طائر البومة.

البومة لدى الإغريق

رسم الأغريق البومة على الأواني الخزفية، ونقشوا رسمها على نقودهم ووضعوها قلادة في رقابهم. كانت الحكمة وطائر البومة لدى الإغريق رديفين. وكانت عملة أثينا عبارة عن صورة البومة على أحد وجهيها، وصورة الآلهة الإغريقية على الوجه الآخر. 

لدى الرومان

يطغى اعتقادٌ في أواسط الشعب الروماني أن البومة مخلوق شرير أو رمز للموت، ويُحكى أن موت يوليوس قيصر تم التنبؤ به برؤية البومة. وتروي أسطورة رومانية أن السحرة تحولوا إلى بوم يمصّ دماء الأطفال. ويعود ذلك أيضاً حين استعار الرومان من الإغريق طيرهم المقدس بعد غزو الرومان على الإغريق ولكنهم ربطوا إخفاقاتهم اللاحقة لاعتمادهم البوم. 

الهند

تختلف النظرة في الهند إلى البوم باختلاف المجتمعات فيها، فهي كانت لدى القدماء رمزاً للحكمة والمساندة والنبوءة، لكنها فيما بعد ارتبط رسمها بالحماقة والثروة الضائعة، كذلك تغير التعاطي معها وباتت في العصور الوسطى رمزاً للموت.

أوروبا:

في أوروبا صوّرها البعض رمزاً للعناد، في حين صوّرها آخرون رمزاً لرباطة الجأش، وفي السلسلة الكرتونية "ويني الدب" كانت البومة رمز الحكمة بين الحيوانات في الغابة، وهذا نابع من العديد من الأساطير والثقافات التي أدرجت البومة في قصصها طائراً حكيماً وذكياً، ومن المحتمل أن يكون منحُها صفة الحمكة نابعا من الأساطير اليونانية خاصة في أثينا التي وصفت الطائر بالحكيم وصوّرته بطائر الفنون، كما ذُكر في المؤلفات الأدبية اليونانية. واليوم في أوروبا عموماً وألمانيا تحديداً تغزو صورة طائر البوم كل شيء كالألبسة، سلاسل الذهب، وبطاقات المعايدة، بل وهناك شركات عالمية رمزها طائر البوم.

البوم يقضي على الفئران ويمنع الأضرار التي تسببها لبعض المحاصيل الزراعية، ويساعد في منع الأوبئة، وربما لو علم الفلاحون حجم منفعته لهم لامتنعوا عن استخدام المبيدات شديدة السُمِّية، ولتغيرت نظرة البعض لهذا الطائر الذي يخلّصهم من القوارض والزواحف، وتحول من نذير شؤم ليصبح فأل خير.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.