القهوة المرّة في المآتم... تاريخ وعبرة

يارا العريضي | 12 آذار 2020 | 16:09

كان المصريون أول من اعتمد توزيع القهوة بلا سكر في المآتم والمناسبات الحزينة. هذه العادة انتشرت فيما بعد في بلدان الوطن العربي. واعتماد القهوة دون بقية المشروبات على وجه الخصوص له قصة غريبة مستمدة من الواقع إبان الحكم العثماني. 

الطلاب اليمنيون الذين قدموا الى القاهرة لاستكمال تحصيلهم العلمي، حملوا معهم القهوة وكانوا سبباً في انتشارها بين زملائهم. طعّمها ومدّ الطلاب بالطاقة والتركيز ومساعدتهم في سهر الليالي، جعل منها مشروباً ذائع الصيت. تفوق طلاب اليمن وأعادوا سبب تفوقهم إلى اعتمادهم القهوة في ساعات الدراسة فاعتمدها بقية الطلاب علهم يجارونهم في التقدم. 

 وصلت شهرة البن إلى كافة مناطق مصر والدول المجاورة، وبات لها أماكن مخصصة لتقديمها عرفت فيما بعد بـ"المقاهي" أو "القهوة" نسبة لها.

ولكونها مشروباً جديداً ينعكس تأثيره على العقل، دارت حوله تساؤلات من بعض الناس وخاصة رجال الدين. أثارت القهوة شيوخ الإسلام في الحجاز وبلاد الشام ومصر، وأفتوا بتحريمها وتكفير حاملها وشاربها شأنها شأن الخمر.

إنقسم الناس بين مؤيد ومعارض، إلى أن أفتى مفتي الديار المصرية أحمد السنباطي بتحريمها تماماً في نهاية عام 1572 للميلاد، لكن الفتوى لاقت رفضاً من قبل الكثيرين. قام المفتي حينها بجمع المؤيدين له والتوجه إلى المقاهي لإقفالها لأن كلام المفتي آنذاك كان يلتزم به السلطان العثماني مراد بك نفسه. وقع عراك كبير بين التجار وشاربي القهوة من جهة وبين المفتي وأتباعه من جهة ثانية، وقع ضحيته ثلاثة قتلى.

أعلن تجار القهوة عصياناً مدنياً كان الأول في تاريخ مصر، وحاصروا المفتي الذي اختبأ داخل أحد الجوامع ونصبوا الخيام وأقاموا عزاءً كبيراً لضحايا العراك ووزعوا القهوة السادة مجاناً كدلالة على مرارة الحياة ووجهوا فيها رسالة للمفتي "حنشرب قهوة قدام عينك".

استمر الحصار لثلاثة أيام من الفوضى والشغب إلى أن وصل الخبر إلى السلطان العثماني مراد بك، ما اضطرّه إلى إصدار فرمان بعزل المفتي أحمد السنباطي عن لجنة الفتاوى وتعيين مفتٍ جديد أصدر عند تعيينه فتوى بأن القهوة "مش حرام". ومن فرحة التجار بالخبر أسموا البن بمشروب القهوة التركي وكان أكثر شاربيها من المثقفين ثم انتشرت في كل أنحاء مصر والوطن العربي ومن ثم تركيا.

هذه القهوة التي نشربها في العزاء راح بغية تشريعها ثلاثة شباب وتغير مفتي مصر وتم إعلان أول عصيان مدني لأجلها، لذلك في المرة المقبلة التي تريد أن تشرب فيها قهوة فكر أن وراء كثير من العادات التي نمارسها حكاية.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.