18 سنة مرّت على الصورة التي هزّت العالم!

جاد محيدلي | 3 تشرين الأول 2018 | 12:00

يقال إن "الصورة بألف كلمة"، فهي تستطيع إيصال الرسالة بشكل أسرع وأوضح وتلامس مشاعر ووجدان من يشاهدها فوراً، وبينما الكلمات قد تمحى من الذاكرة، الا أن الصورة المؤثرة من الصعب نسيانها. هذا تماماً حال العرب مع صورة الطفل محمد الدرة. 18 عاماً مرت على هذه الصورة التي هزت العالم كله، صورة اختصرت آلاف المعاني من الظلم والقهر والموت، ولا زلنا حتى اليوم نشعر عند رؤيتها بالأسف على الحال الذي وصل اليه العرب عامة، والقضية الفلسطينية خاصة.

وقعت حادثة قتل الطفل محمد الدرة في قطاع غزة في الثلاثين من أيلول عام 2000، في اليوم الثاني من انتفاضة الأقصى، وسط احتجاجات امتدت على نطاق واسع في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية. والتقطت عدسة المصور الفرنسي شارل إندرلان المراسل بقناة "فرنسا 2" مشهد سجل في التاريخ، وهو مشهد احتماء جمال الدرة وولده محمد البالغ من العمر 12 عاماً، خلف برميل إسمنتي، بعد وقوعهما وسط محاولات تبادل إطلاق النار بين جنود الإحتلال الإسرائيلي وقوات الأمن الفلسطينية. وعرضت هذه اللقطة التي استمرت لأكثر من دقيقة، مشهد احتماء الأب وابنه ببعضهما البعض، وبكاء الصبي، وإشارة الأب لمطلقي النيران بالتوقف.

وبعد 59 ثانية من البث المبدئي للمشهد في فرنسا، بتعليق صوتي من رئيس مكتب "فرنسا 2" بالأراضي المحتلة، شارل إندرلان ،الذي لم يشاهد الحادث بنفسه، ولكنه اطلع على كافة المعلومات المتعلقة به، من المصور عبر الهاتف، أخبر إندرلان المشاهدين أن محمد الدرة ووالده كانا "هدف القوات الإسرائلية من إطلاق النيران"، وأن الطفل قد قتل. وبعد التشييع في جنازة شعبية أبكت القلوب، مجّد العالم العربي محمد الدرة باعتباره شهيداً مظلوماً وتحول الى أيقونة للقضية الفلسطينية. 

القصة لم تنته هنا، ففي بادئ الأمر، أعلنت قوات الإحتلال الإسرائيلي تحمّلها المسؤولية، كما أبدت إسرائيل في البداية، "أسفها" لمقتل الصبي، ولكنها تراجعت عن ذلك، عندما أشارت التحريات إلى أن الجيش الإسرائيلي ربما لم يطلق النيران على الدرة، وعلى الأرجح أن الفتى قتل برصاص القوات الفلسطينية. وذكر ثلاثة من كبار الصحافيين الفرنسيين الذين شاهدوا لقطات خام في عام 2004، أنه لم يتضح من اللقطات وحدها أن الصبي لقي حتفه، وأن قناة فرانس حذفت عدداً قليلاً من الثواني الأخيرة، والتي يظهر فيها الصبي وهو يرفع يده عن وجهه. وفي عام 2005، صرّح رئيس تحرير غرفة الأخبار بالقناة أنه لا يمكن لأحد أن يحدد على وجه اليقين من الذي أطلق النيران، ولكن ذهب معلقون آخرون من بينهم مدير مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي إلى القول أن "المتظاهرين الفلسطينين قاموا بتنظيم هذا المشهد". وبعد إجراءات قانونية مطولة، أُدين فيليب كارسنتي، المعلق الإعلامي الفرنسي، بالتشهير بقناة فرانس 2، واتهامها بالتلاعب في مادة الفيلم.

في عام 2002 كتب جيمس فالوز أنه لن تظهر أيه نسخة حقيقية بشأن اللقطات، تصدق بها جميع الأطراف. وأطلق تشارلز إندرلان على ذلك "المنظور الثقافي"، الذي يرى خلاله المشاهدون ما يروق لهم رؤيته. كما أصدرت محكمة الاستئناف بفرنسا حكمها النهائي في قضية التشهير بالقناة الفرنسية في عام 2013، حيث أدانت كارسنتي بالتشهير وألزمته محكمة الاستئناف في باريس بدفع غرامة قيمتها 7.000 دولار. وجاء الحكم النهائي للمحكمة الفرنسية برفض إصدار كارسنتي، الذي وصف فيه مقتل محمد الدرة بأنه "عملية نظمها المتظاهرون الفلسطينيون". لكن ورغم كل عمليات تبادل الإتهامات، تبقى الحقيقة واحدة، محمد الدرة استشهد ظلماً في مشهد أظهر بشاعة الإنسان وحروبه، 18 عاماً مرت ولن ننساك.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.