من فرن الشباك إلى البسطة والدورة... تعرفوا إلى ترامواي بيروت!

جاد محيدلي | 21 تشرين الأول 2018 | 16:00

في العام 1964 أوقفت الدولة اللبنانية ترامواي بيروت، فاشترت الصين عدداً من حافلاته وذهب بعضها الآخر إلى تجار الخردة، أو تحوّل إلى مطاعم. الترامواي الذي عرفه اللبنانيون في مطلع القرن العشرين، كان شريان التنظيم المديني الأساسي في بيروت، وكان طريقها إلى الحداثة، فما قصته؟

الزمن الجميل

في العام 1908 استحصلت شركة بلجيكية مؤلفة من رأسماليين عثمانيين وبلجيكيين، على امتيازٍ من السلطنة العثمانية لتسيير ترامواي كهربائي في بيروت بدل المقطورات التي كانت تجرها البغال والأحصنة. وكان الامتياز يقضي بتشغيل الترام على القوة الكهربائية شرط أن لا تنقطع عنه أبداً، وبتزويد بيروت بالإنارة.
كان الترامواي يصل الأحياء البيروتية بعضها ببعض، وبمنطقة فرن الشباك، النقطة الحدودية الفاصلة آنذاك بين متصرفية جبل لبنان وولاية بيروت، وذلك تسهيلًا لتنقل السكان بين الولايتين، كما كان يصل أبناء المدينة بمحطتين للقطار في مار مخايل والمرفأ لتسهيل حركة البضائع. كان الترامواي ينقل سنوياً ملايين المواطنين من مختلف الطبقات من منازلهم إلـى مراكز عملهم وبالعكس.
ووفق خط سيره كانت تبنى المستشفيات، والمدارس، والجامعات، ودور السينما، والمقاهي، والأسواق التجارية والدوائر الرسمية. فالترامواي كان شريان التنظيم المديني الأساسي، وهو الذي كان طريق بيروت إلى الحداثة.

كيف كان الترامواي؟

اختلف شكل الترامواي بين سنةٍ وأخرى. ففي بداياته، كان الناس يخافون من شكله. وكانوا يصفونه بدولاب الشيطان أو بالحارة المتنقلة. لقد كان أولًا على شكلين، منهما المغلق والكبير والواسع يتسع لخمسين راكباً ويبلغ وزنه سبعة أطنان، ومنهما الشكل الوسطي الذي يتسع لثلاثين راكباً ووزنه أربعة أطنان. وكان مؤلفًا من قسمين، قسم للسيدات وآخر للرجال، يفصل بين المقاعد المتقابلة عمود حديدي، ويتمّ الصعود إليه بواسطة حافة. في العهد العثماني كان ثمن التذكرة يراوح بين 30 و40 بارة للدرجة الأولى، و20 بارة للدرجة الثانية، و10 بارات للأولاد بين 5 و10 سنوات، ومجاناً للأطفال ما دون الخمس سنوات شرط أن يجلسوا في أحضان أهلهم. خلال عهد الانتداب الفرنسي وبداية الجمهورية اللبنانية، راوح الثمن بين قرش وقرشين ونصف لعامة الشعب. ثم أصبح خمسة قروش في مقاعد "السوكوندو" أو الدرجة الثانية ذات المقاعد الخشبية، وعشرة قروش في مقاعد "البريمو" أو الدرجة الأولى. وكانت الشركة تمنح بطاقات مجانية في هذه الدرجة لوجهاء البلد السياسيين. كما أنها خصصت تذكرة "باس" سنوية، للطلاب والموظفين. وحين استملكت الدولة اللبنانية الترامواي في 2 حزيران 1954، وجدّدت القسم الأكبر من عرباته، اضطرّت إلى رفع ثمن تذكرة عامة الشعب من قرشين ونصف إلى خمسة قروش من دون أن تمس بثمن تذكرة الدرجة الأولى الأمر الذي أدى إلى انتفاضة شعبية، فأنشد عند ذاك الشاعر الشعبي عمر الزعني: «حفروا قبرك وانت حيّ، حالك حال يا ترامواي».

الخطوط

ربط الترامواي متصرفية جبل لبنان بولاية بيروت عبر منطقة فرن الشباك حيث تمّ تركيز المحطة المركزية. وفي أواخر عهد السلطنة العثمانية (1908-1918) كان هناك خمسة خطوط:
- الخط الأول: فرن الشباك - باب ادريس - الجامعة الأميركية - رأس بيروت -المنارة.
- الخط الثاني: ساحة الحميدية (ساحة الشهداء اليوم) - طريق بيروت دمشق - فرن الشباك.
- الخط الثالث: ساحة الاتحاد (ساحة رياض الصلح اليوم) - البسطة - الحرش.
- الخط الرابع: فرن الشباك - شارع فوش - شارع المرفأ - محطة القطار.
- الخط الخامس: فرن الشباك - البرج - النهر - الدورة.
طوّر الفرنسيون خطوط الترامواي وجعلوها في الاتجاهين ذهاباً وإياباً بعد أن كانت باتجاه واحد، ووسّعوا الطرقات في الأماكن التي لا تشكّل خطراً على السلامة العامة. 

المحطات والأسماء والذكريات

عُرفت بعض المحطات بأسماء أشخاص لأسباب مختلفة. فمحطة "النويري" سميت كذلك نسبةً إلى العامل عبد القادر النويري الذي كان من أوائل العاملين في الترامواي، وقد أطلقت الشركة اسمه على أحد شوارع البسطة. أما محطة "غراهام" قرب سور الجامعة الأميركية فسميّت كذلك نسبةً إلى أستاذ في كلية الطب في الجامعة، وهو كان يملك عيادة هناك. ومن أجل الدعاية لها، كان يعطي الجباة كل يوم مالًا ليهتفوا بإسمه عند توقف الترام أمام عيادته. وهكذا أصبح المكان يُعــرف بإسمه.

قصة ترامواي بيروت التي تجعلنا نحزن على الحال الذي وصل إليه لبنان جسدها الفنان إبراهيم مرعشلي في أغنيته الشهيرة "يا ترامواي بيروت".



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.