حاكم إسلامي كان يدفع وزن الكتاب ذهباً... من هو؟

جاد محيدلي | 22 شباط 2019 | 09:00

عند الحديث عن الماضي والتاريخ، دائماً ما يقال إن الزمن القديم كان جميلاً وكل شيء في السابق كان مليئاً بالبركة، حتى العلم والثقافة والآداب كانت تُحترم وتُقدّر أكثر من الآن، لدرجة أنه تم إنشاء بيت للحكمة وكان يُدفع ذهباً مقابل الكتب! فما القصة؟ بيت الحكمة كان أول أكاديمية علمية في التاريخ. ففترة العصر العباسي كانت تعتبر بداية ازدهار الحضارة الإسلامية، التي أدت أيضاً الى ازدهار العلوم والآداب، واهتم الخلفاء بالعلم والمعرفة، وكان من بين هولاء الخلفاء أبو جعفر المنصور الذي ترجمت في عهده كتب الطب والفلك والهندسة والآداب، وكانت تلك الكتب تحفظ في قصر الخلافة ببغداد، حتى جاء هارون الرشيد فقام بإخراج المخطوطات والكتب القيمة التي تم تخزينها في قصر الخلافة ووضعها في دار فاخرة أسماها بـ"خزانة الحكمة" تقديراً لرسالتها. فهارون الرشيد كان مغرماً بالعلم والمعرفة، لدرجة أنه كان يقبل الجزية كتباً بدلاً من تقديمها على شكل أموال، وهذا يدلنا على مدى عناية الرشيد بالكتب وشغفه باقتنائها، حيث بلغ عدد الكتب أيامه في بيت الحكمة المليون كتاب!

وبحسب كتاب "بيت الحكمة في عصر العباسيين"، فما إن جاء عهد الخليفة المأمون حتى تطورت خزانة الحكمة ونمت وازدهرت وتحولت إلى أكاديمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكان هذا سبباً في تغيير اسمها لتصبح بيت الحكمة، إذ أصبح هناك أماكن للدرس، وأماكن لتخزين الكتب، وأماكن للتأليف. وجلب المأمون الكتب من كافة أصقاع الأرض، من الهند وبلاد الروم والفرس، وجمع المأمون في بيت الحكمة أعظم العلماء والمفكرين والمترجمين، وأغدق عليهم العطاء والأموال. والمأمون هو عبد الله بن هارون الرشيد سابع خلفاء بني العباس، ولد عام 170 هجري وتوفي عام 218 هجري. ولم يكتفِ المأمون بذلك، بل كان يطلب من ملوك البلاد الأخرى نفائس ما في بلادهم من الكتب والمؤلفات، وكان يهددهم بالحرب إذا لم يستجيبوا لمطلبه، فقد طلب من الإمبراطور البيزنطي أن يرسل له الكتب القديمة التي أهملها الروم، فلما تلكأ الإمبراطور في ذلك هدده المأمون بالحرب، فسمح الإمبراطور لبعثة عربية بالدخول إلى بلاده لانتقاء بعض الكتب، كما طلب المأمون من حاكم صقلية أن يرسل إليه مكتبة صقلية الشهيرة بكتبها العلمية والفلسفية، فاستجاب له.

وفي عهده نشطت حركة الترجمة في بيت الحكمة، وترجمت الكتب من شتى اللغات إلى اللغة العربية من الفارسية، والآرامية، واليونانية، والقبطية. وكان المقابل الذي يتقاضاه المترجم على عمله محفزاً للغاية، إذ كان المأمون يدفع مقابل ترجمة كل كتاب وزنه ذهباً! واشتهر في بيت الحكمة عدد كبير من المترجمين مثل: حنين بن إسحاق، وابنه إسحاق بن حنين، وثابت بن قرة، وأبو سهل الفضل بن نوبخت الفارسي الذي كان ضليعاً في الترجمة من الفارسية إلى العربية، وكان معظم المترجمين من السريان الذين يعرفون اللغتين العربية واليونانية فكانوا حلقة الوصل بين الثقافتين. كما نشطت حركة تأليف الكتب، فكانت تسير جنباً إلى جنب مع حركة الترجمة، وشجع المأمون التأليف عن طريق بذل المنح السخية، فاجتمعت أكوام من الكتب في شتى المجالات في الطب والهندسة والفلك والرياضيات والفلسفة والميكانيكا، إلخ.. وبينما كان المأمون في أراضي الدولة البيزنطية في آخر غزواته وهو بالبدندون شمال طرسوس أصابته حمى لم تمهله كثيرا وفي 18 من رجب سنة 218 هجرية أدركته الوفاة فحمل إلى طرسوس ودفن بها ومازال ضريحه ظاهراً.



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.