ما قصّة الأشجار التي تتنبّأ بالمستقبل؟

جاد محيدلي | 16 شباط 2019 | 20:00

تنتشر في مختبرات الباحث الياباني تاكيسي ناكتسكا بمدينة كيوتو شمالي البلاد، بقايا شجرةٍ عتيقةٍ للغاية تعود إلى ما بين 2800 و3000 عام. انتُشلت هذه البقايا التي تشبه قرصاً كبيراً لامعاً من أراضٍ رطبةٍ، وهو ما يفسّر عدم تشوّهها. وفي داخل هذا الجذع تقبع أسرارٌ يمكن أن تساعدنا في التحضير والتنبؤ للمستقبل. وقد أمضى ناكتسكا، الخبير في "علم المناخ القديم" في أحد المعاهد اليابانية، العقد الماضي مع فريقٍ يضم نحو 70 باحثاً آخرين، في جهود تطوير وسيلةٍ جديدةٍ وغير مألوفةٍ، للكشف عن أنماط هطول الأمطار في العصور السحيقة، وتفسير تأثيرات ذلك على المجتمع. وقد وفّرت نتائج دراساته أفكاراً ورؤى فريدةً من نوعها بشأن هذه الأنماط على مدار 2600 عام من تاريخ اليابان.

وبحسب BBC، فإنه من خلال كشف النقاب عن المعلومات المختزنة في داخل أخشاب تلك الأشجار التي ظلت مُصانةً في الغابات اليابانية العتيقة، نجح الباحثون في التعرف على كميات الأمطار التي هطلت على مختلف أنحاء هذا البلد الآسيوي على مدى الـ 2500 سنة الماضية، وهو سجّلٌ فريدٌ من نوعه. وكشف الباحثون عن أن مقدار الأمطار التي تهطل على اليابان يتغير فجأة وبشكلٍ حادّ كل 400 سنة تقريباً، وهو ما يستمر لفترةٍ من الزمن. وفي تلك الفترات، تتناوب على البلاد عقودٌ تغمرها الفيضانات الناجمة عن الأمطار، وسنواتٌ أكثر دفئاً وجفافاً. وتكتسب هذه النافذة التي ننظر من خلالها إلى التقلبات المناخية التي حدثت في الماضي، أهميتها، كونها تمنحنا مؤشراً على ما يمكن أن يكون ينتظرنا خلال السنوات المقبلة، خاصةً في وقتٍ باتت فيه أنماط الطقس حالياً تتحدّى التوقعات الخاصة بها على نحوٍ متزايد، كما صارت الظواهر الجوية المتطرفة والقاسية تحدث بوتيرةٍ أكثر تسارعاً وعلى نحوٍ أشد حدة.

ويشير ناكتسكا إلى أن الحياة الآن لا تختلف عما كانت عليه قبل ألفٍ أو ألفي عام، سواء من حيث كوننا نعيش دورات الحياة نفسها، ولا نزال نواجه التقلبات الكبيرة والضاغطة التي تحدث كل عدة عقود. وتشكل منطقة وسط اليابان موقعاً مثالياً لإجراء دراسةٍ مثل هذه، بسبب كثرة أشجار الهينوكي التي تشكل نوعاً من أشجار السرو المُعمرة. وتتضمن الدراسة التي يجريها ناكتسكا بياناتٍ مستقاةً من 68 من هذه الأشجار. وأُخِذَت العينات التي استُمِدّت منها هذه البيانات، من أشجار حيةٍ ومن جذوعٍ مدفونةٍ، ومن معابد مصنوعةٍ من الأخشاب، وألواح التوابيت الخشبية وغيرها. ويتراوح عمر كل هذه الأخشاب ما بين قرن و1000 عام. وبينما استطاع الباحث الياباني أن يتعرّف من خلال جدوله الزمني، على ما حدث كل نحو 400 عامٍ من زيادةٍ أو انخفاضٍ على نحوٍ غير منتظمٍ في معدلات هطول الأمطار؛ لم يكن بمقدوره أن يعلم عبر هذا الجدول أسباب هذه الأنماط المتذبذبة.وتبين على سبيل المثال، أن أنماط سقوط المطر، سواء على المدى الزمني القصير أو الطويل، توافقت مع الشعائر التي قادها كهنةٌ مشاهير في العصور الوسطى للابتهال إلى السماء من أجل نزول الغيث. واتضح أن تطوير نظم ريٍّ وأساليب تعاونيةٍ ينتفع من خلالها المزارعون بالمياه الجوفية بهدف تجنب خطر الجفاف، حدث في أوقاتٍ أظهر فيها السجل الذي أعدّه ناكتسكا، تدني مستوى هطول الأمطار. الأمر نفسه انطبق على الحقب التي شهدت ظهور سياساتٍ حكوميةٍ استهدفت إنقاذ الرعايا من الموت جوعاً خلال فترات المجاعة.

الأكثر أهمية من كل ذلك، أن التقلبات التي حدثت كل عدة عقود في أنماط هطول المطر، توافقت على نحوٍ منتظمٍ مع حلول الحقب والعصور المهمة في التاريخين الصيني والياباني. وفي هذا الشأن، يقول كينيشكو باكاباياسي، العالم في آثار عصور ما قبل التاريخ في إحدى الجامعات اليابانية، إن علماء الآثار كانوا في الفترة التي سبقت توصل ناكتسكا إلى طريقته التحليلية الجديدة ينظرون إلى عملية تشكل الدولة في التاريخ الياباني، على أنها مرتبطةٌ في الأساس بمراحل التغير الاجتماعي. فخلال ما يُعرف بفترة حكم "يايوي" التي امتدت بين عامي 1000 قبل الميلاد و350 ميلادية، تركزت غالبية المستوطنات البشرية التي أُقيمت قرب نهر يودو بوسط اليابان، في مناطق الدلتا منخفضة الارتفاع. وبدأت زراعة الأرز في تلك الحقبة وأصبحت ركناً رئيسياً من أركان الحياة. لكن الأمور بدأت في التغير في عام 100 قبل الميلاد أو نحو ذلك، إذ انخفضت درجة الحرارة وازدادت معدلات سقوط الأمطار. وحينها بدأ مزيدٌ من الناس في الانتقال إلى أماكن أبعد وأكثر ارتفاعاً.

وفي ظل ما هو متوقعٌ من أن يشهد مناخ الأرض تغيراتٍ على مستوياتٍ غير مسبوقة خلال العقود المقبلة، ربما يحمل لنا الماضي في طياته مفاتيح من شأنها تعريفنا بطبيعة ما ينبغي أن نُعِدَّ أنفسنا لمواجهته.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.