دريد لحام يسلك طريق " دمشق - حلب"... مقاربة إنسانية في زمن الحرب

محمود فقيه | 28 شباط 2019 | 17:00

تختبئ تفاصيل وقضايا في ضجيج الحروب لا يشعر بها إلا من يعاني جراحها. آلام لا يدركها الناظر من بعيد إلى ساحة المعركة، قد يستخف النظار الى أمتار قليلة بمساحتها، بينما من يسير  فوق يشعر بأن مسيرها يوازي مسافات وسنين. تفاصيل تروي معاناة وفرحاً سلكت طريق دمشق- حلب تحت عدسة المخرج السوري باسل الخطيب، في رحلة مستمدة من عمق الحياة ومن تلك الشخصيات التي يصادفها بطل الفيلم الفنان القدير دريد لحام. ومن عاصمة الدولة السورية السياسية نحو العاصمة الاقتصادية ينطلق باص هو أشبه بمرآة تعكس الواقع السوري بكل تناقضاته المأسوية والساخرة.. رحلة تبرز أفضل ما في الإنسان من قيم النبل والتعاطف والمحبة والقدرة على المواجهة...مسيرة لم تكن بدايتها شبيهة بنهايتها.

بعد قرابة 39 عاماً، عادت الفنانة صباح الجزائري للوقوف إلى جانب دريد لحام بعد مسرحية "كاسك يا وطن" لتشاركه هذه المرة في رسم طريق جديد من الملحمة السورية اليومية وما فيها من حزن وحلاوة كطعم "الهريسة النبكية" التي احتلت مكانها في العمل.  

فيلم "دمشق -حلب"  استضافت "سينما سيتي" وسط العاصمة بيروت عرضه ما قبل الأول مساء أمس بحضور نجوم الفيلم وعدد من نجوم الفن والصحافة، يروي قصة المذيع السوري عيسى عبد الله الذي يمثل جيل الاعلاميين القدامى الذين ما عادوا يملكون سوى اسمهم في محركات البحث على الانترنت. يعيش عيسى وحيداً بعد أن فقد رفاق دربه والناس الذين أحبهم واحداً تلو الآخر. ومع تحرير مدينة حلب من الإرهاب يقرر الذهاب إليها لزيارة ابنته المحاصرة الوحيدة دينا منذ سنوات بسبب الحرب ويسلك الطريق من دمشق إلى حلب. 

استطاع المخرج باسل الخطيب وكاتب العمل تليد الخطيب أن ينسجا حبكة درامية في تقنيات إخراجية عالية الجودة عكست ما فيها من إحساس عبر الموسيقى التصويرية لصاحب اللمسات الموسيقية الرائعة سمير كويفاتي. عيون دريد لحام كانت ساعي البريد الذي يوصل الرسائل إلى مشاعرنا، نفرح ونحزن ونخاف، ونرتعد من مسار أقدامه في أحد المشاهد وكأنها طبول حرب لا نعرف إذا ما كانت ستردينا ضحايا. 

ابن الخامسة والثمانين الذي رفض في الفيلم أن تصفه الفنانة نظلي الرواس بالختيار برهن  في دوره على أنه يدوس فوق العمر والسنين والزمن، فهو فعلاً ما زال شاباً يكايد ابن الكار عبد المنعم العمايري، ويتحسس من الدخلاء على المهنة، ويشعل ثورة الشباب لأجل الحق، ويحب وكأنه في عمر المراهقة، ويرفض التحرش من الجارة وهو في هذا السن. الفيلم أشبه بسيمفونية تتراقص فيها كل النوتات على مقام شامي حلبي وكأن السيناريو هو أشبه بأغنية مغناة بصوت دريد لحام وفيها تلك التحية "الله محيي شوارعكِ يا بلادنا المعمورة".

الفيلم من انتاج المؤسسة العامة للسينما في سوريا، والتي تعتبر حتى الآن من أقوى مرجعيات الإنتاج الرسمي في الوطن العربي، واستعادت دورة النشاط اللافت في مشاريعها من خلال إنجاز فيلم يُصوّر واقع الناس بعد تحرير حلب في صورة غير نمطية وبعيداً عن التجاذبات السياسية. العمل هو أشبه بمنتج وثائقي-تمثيلي يحكي صراع الاجيال واختلاف اهتماماته، وتتجلى فيه أهداف عدة كإظهار الترابط والتناغم بين مختلف المشارب السورية دون إغفال الجانب السياسي والإشارة الى التدخلات الخارجية التي تتجلى بقيام جندي سوري باقتطاع مساحة من حي حلبي وإحاطته بشريط  تحذيري من الالغام بانتظار القوات الروسية ولكن ما بعد هذه الرسالة كان أقوى وفيه أن إرادة المواطن كانت أقوى من هذه التدخلات وأكثر فاعلية. 

في العمل ريشة رسام ترسم في حدود إطار ينزف دماً من المعركة أهازيج وأغاني وترقص بفرح وتبكي بين شمسٍ ودخان، كل هذه العوامل كانت كفية من أن ينال هذا العمل جائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي عام 2018 مع جائزة التمثيل الكبرى للفنان دريد لحام الذي شاركه في بطولته نجوم سوريون صباح جزائري، سلمى المصري، عبد المنعم عمايري، كنده حنا، نظلي الرواس، علاء قاسم، نادين قدور، نيرمين شوقي، ربا حلبي، عاصم حواط وناصر وردياني ومشاركة بسام لطفي، أحمد رافع، شكران مرتجي، غادة بشور، بلال مارتيني وطارق عبده. 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.