ما هي لغة "بولز" الغريبة التي لا يتحدثها إلا قليلون!

جاد محيدلي | 13 أيار 2019 | 14:02

على أطراف نهر السارين في سويسرا تقع منطقة باس فيل، التي يعني اسمها البلدة السفلى، وهي موجودة ضمن قطاعين أحدهما ناطق بالألمانية والآخر يتحدث بالفرنسية. ولذلك تتسم المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو أربعين ألف نسمة، بكونها ثنائية اللغة، إذ ترى لافتات الشوارع وقد كُتبت باللغتين، الا أن منطقة باس فيل قصتها مختلفة عن محيطها، بحيث لا تنتمي إلى لغة من اللغتين، بل تمتزجان فيها لتشكلا لغة جديدة وغريبة إسمها "بولز" أو "بولتسه". وبالرغم من أن الأصل الدقيق لهذه اللغة لا يزال غير معروف، فإن الكثيرين يعتقدون أنها ظهرت خلال فترة الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، وذلك عندما بدأ الناس يغادرون الريف للعيش في المدن، التي توافرت فيها فرص العمل بفعل الطفرة الصناعية. وفي خضم اللغات المتعددة الموجودة في البلاد، تواجه مدينة فريبورغ كذلك تحدياً إضافياً يتمثل في كونها تقبع على الحدود اللغوية بين الكانتونات الناطقة بالفرنسية وتلك التي تتحدث الألمانية، وهو ما جعلها على ما يبدو معقلاً لأُناس قرروا أن يطوروا لغة خاصة بهم. وبوصفها مدينة تقع على تخوم القرى الناطقة بالألمانية السويسرية من ناحية والفرنسية من ناحية أخرى، نمت فريبورغ واتسع نطاقها لتصبح بمثابة مركز ثقافي وصناعي ثنائي اللغة للفقراء الذين ينشدون الحصول على فرصة عمل. 

ويقول ميشيل سولجيه، وهو مرشد سياحي وخبير في لغة "بولز"، إن الكثير من المزارعين القادمين من منطقة سينس المتاخمة لفريبورغ، أتوا إليها للعثور على عمل، ووجدوا ظروفاً معيشة رخيصة في منطقة باس فيل، واعتقدوا أن الحياة ستكون أيسر عليهم في هذه البلدة. وكان هؤلاء العمال بحاجة إلى إيجاد طريقة يفهمون بها بعضهم بعضاً ويعملون من خلالها معاً، وهو ما حدا بهم لمزج لغتيهما الأصليتين بهدف التوصل إلى لغة جديدة.  وتمثل "بولز" لغة حديث مزجت بين الفرنسية والألمانية السويسرية، عبر استخدام مفردات اللغتين، لاستحداث لغة ثالثة مختلفة بكل معنى الكلمة. وقد تم توارث تلك اللغة الجديدة شفهياً من جيل لآخر، ولن تجدها سوى في منطقة باس فيل في مدينة فريبورغ. ومما يثير الاهتمام على نحو خاص بشأن هذه اللغة، أنه يتعين عليك أن تُجيد اللغتين المؤلفتين لها بشكل كامل، قبل أن تشرع في دمج مفرداتهما لتتحدث بلغة "بولز". رغم ذلك، فإنه لن يتسنى للناطقين بكلتا اللغتين متابعة حديث يدور بلغة "بولز"، ما لم يكن قد تعلم تلك الأخيرة، التي تختص بتوازن وتناغم لغوي فريدين، وكأنها عبارة عن حبل مشدود بين الفرنسية والألمانية السويسرية.  

ورغم أن هذه اللغة لا تزال أمراً يكتنفه الغموض بالنسبة للغرباء، ولا يتحدث بها سوى عدد محدود من سكان باس فيل، لكنها تعتبر أكثر من مجرد لغة بالنسبة لهم، وإنما مزيج من لغة وسياسة وثقافة تجسدت جميعاً عبر تاريخ تقاسمه السكان على نحو فريد خلال فترة الثورة الصناعية. وحتى هذه اللحظة لا تزال المظاهر المتعلقة بثقافة "بولز" واضحة في هذه المنطقة السويسرية، عبر فعاليات واحتفالات تُنظم هناك، بعضها من جانب أوبير أودريا، وهو فنان يُعرف بأنه رمز لكل من باس فيل ولغة بولز على حد سواء.  وبينما قد يتحدث أبناء الأجيال الأكبر سنا بتلك اللغة في منازلهم، ويتبادلون الحديث بها بينهم وبين بعض في الطريق العام، لا يستطيع المنتمون لأجيال أصغر تعلمها سوى في المنازل، ومن بين الأساليب الأخرى لتعلم لغة بولز الاستماع إلى من يجيدونها بطلاقة أو تعلمها منهم، فهي لا تُعلّم في المدارس، كما لا توجد أي دورات تعليمية رسمية خاصة بها. لكن وعلى الرغم من كل ذلك، ظلت لغة بولز موجودة حتى الآن على عكس كل التوقعات، وتعتبر كمؤشر على الابتكار والإبداع الذي استلزمته الضرورات التي نشأت خلال الثورة الصناعية. 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.