الصوم لدى الأديان والحضارات... من الفراعنة حتى الإسلام!

جاد محيدلي | 10 أيار 2019 | 11:00

يحل شهر رمضان المبارك على الدول العربية والإسلامية المختلفة، وفي حين أن لهذا الشهر الفضيل أهمية كبرى لدى المسلمين، الا أن أشخاصًا يتبعون ديانات مختلفة ينتظرونه أيضاً بسبب أجوائه المليئة بالألفة والمحبة والعائلة، بالإضافة طبعاً الى المأكولات والحلويات الشهية والمسلسلات التي لا تعد ولا تحصى. لكن الصوم يعتبر قديماً جداً ويعود بالطبع إلى زمن سبق ظهور الإسلام. فمارس المصريون القدماء العديد من الطقوس بهدف التقرب من الآلهة ونيل رضاها وشكرها، مثل الاحتفال بأعياد كعيد الربيع وعيد الحصاد وعيد وفاء النيل لتطهير النفوس من الذنوب والأخطاء التي قد تغضب الآلهة، مما يوجب عليهم طلب الغفران ونيل بركات ونعم الآلهة بطقوس مختلفة، ذكر باحثون أن الصوم من بينها. وكان الصوم عند المصريين القدماء مختلفاً عليه بين علماء الآثار والباحثين، فمنهم من يشير إلى ممارسة طقوس خاصة من قبل الكهنة فقط، وآخرون يتحدثون عن طقوس صوم يمارسها عامة الناس. وكان الصوم، حسب بعض الباحثين، يبدأ من طلوع الشمس إلى غروبه. أما فتراته فيعتقدون أنها مختلفة وتتراوح بين ثلاثة أيام إلى 70 يوماً يمتنع خلالها ممارسوها عن الطعام والشراب والجماع.

بالإضافة الى ذلك، كانت الزرادشتية منتشرة في بلاد فارس وما حولها منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، وتنُسب إلى زرادشت الذي بقيت أفكاره لفترة طويلة مرجعاً دينياً خلال تلك الحقبة، قبل أن تتراجع مع ظهور ديانات أخرى. وكان الصوم لدى الزرادشتيين محرماً لأنه كان يقلل من طاقة الإنسان على العمل وخوفاً من إصابته بالمرض وبالتالي ترك آثار سلبية على المجتمع. أما الصوم لدى الإيزيديين الآن فهو مقدس ومدته ثلاثة أيام، يبدأ يوم الثلاثاء وينتهي يوم الخميس بحسب تقويمهم. ويسبق التقويم الإيزيدي التقويم الشمسي مدة 11 يوماً، ويسبق الأخير التقويم الغربي بـ13 يوماً. ويبدأ الصوم بالامتناع عن الطعام عند شروق الشمس ويأكلون بعد المغيب، أما رجال الدين القدماء فكانوا يصومون لمدة ثلاثة أيام متتالية ولا يفطرون إلا في يوم العيد الذي يسمى "عيد ئيزي".  

أما الديانة اليهودية والتي تعد أولى الديانات الإبراهيمية، وبحسب كتاب اليهود، التوراة، يجب الصوم فقط في يوم كيبور (الغفران)، وهو اليوم الذي نزل فيه النبي موسى من سيناء للمرة الثانية، ومعه ألواح الشريعة. ويستمر يوم الغفران مدة 26 ساعة وهو "أقدس أيام الأعياد والشعائر الدينية اليهودية". في هذا اليوم ينأى فيه اليهود عن ملذات الحياة والأمور الدنيوية ويكرسونه للعبادة ومحاسبة الذات. ويصوم الناس مع غروب الشمس حتى حلول الظلام في اليوم التالي تقرباً إلى الله ليغفر لهم ذنوبهم وخطاياهم. ومن بين القواعد التي يتبعها اليهود، لا صوم أيام السبت، أو في أيام المهرجانات أو الاحتفالات الدينية، أما يوم الغفران فهو استثناء من هذه القواعد، ولا صوم في شهر نيسان أو للمرضى أو للحوامل. كما أن هناك صوماً آخر غير ملزم وهو اختياري كمن يصوم لنيل مراده أو للتكفير عن خطاياه أو لطلب الرحمة من الرب أو الشكر على نعمة أو غيرها من الأسباب التي لا تستلزم الإعلان عنها من قبل الصائم.

أما المسيحي فيصوم محبة بالله ورغبة في التقرّب منه، وجاء في سفر دانيال "فوجهت وجهي إلى الله السيد طالباً بالصلاة والتضرعات وبالصوم والمسح والرماد". وللصّوم مكانة كبيرة لدى المسيحيين، فهو ارتباط روحي بالرب والتزام منهم بتعاليم المسيح منذ نشأته حتى ظهوره ثانيةً كدليل إيمان به. لم يحدد الإنجيل أوقاتاً أو شهورأً ثابتة للصيام، بل تقوم كل طائفة أو كنيسة بتحديد موعد الصوم لأتباعها. ولا توجد طريقة أو أوقات محددة للصوم يتبعها المسيحيون في مختلف أنحاء العالم، بل هناك اختلافات بين الطوائف المسيحية. وتحدد الكنيسة موعد الصوم قبل عيد الفصح بأربعين يوماً، وحسب تقاليد كل كنيسة. ويمتنع المسيحيون عن تناول الطعام مدة أثنتي عشرة ساعة في اليوم على الأقل، من بداية اليوم وحتى انقضاء المدة، وهذه ليست قاعدة ثابتة، فهناك مسيحيون يصومون وقتاً أطول.

أما في الإسلام فيعد الصوم فريضة وركناً أساسياً من أركان الدين الخمسة، ويكون في شهر رمضان من كل عام. والصوم في الإسلام هو الامتناع عن الطعام والشراب والأفعال المسيئة للنفس والآخرين، كما هو بهدف التقرب من الله وكسباً للحسنات فضلاً عن تطهير النفس من الذنوب، فشهر رمضان هو شهر العبادة والصلاة وتلاوة القرآن. ويثبّت القرآن فريضة الصيام في سورة البقرة حيث تقول إحدى آياتها: "يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتّقون". ويحدد المسلمون أول أيام رمضان بعد رؤية الهلال ليكون موعد بدء الصوم، الذي يستمر عادة 30 يوماً. وبعدها يأتي عيد الفطر، ويستطيع المسلمون الذين لم يكن بمقدورهم الصوم شهر رمضان أو بعضه لأسباب صحية، أن يعوضوها بعد العيد في أي يوم يناسبهم.



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.