ما هي "الغابات المقدّسة" التي اكتُشفت عبر قمر التجسس؟

جاد محيدلي | 30 أيار 2019 | 11:00

يتجه عدد من الأطفال لسماع قصة في إحدى الغابات المحيطة بكنيسة صغيرة بالقرب من بلدة دبري تابور شمالي إثيوبيا، حيث يتواجد مجموعة من 12 باحثاً بقيادة عالمة البيئة كاثرين كارديليوس من جامعة كولجيت بولاية نيويورك، للتعرف إلى النظام البيئي للغابات. وبحسب BBC هذه المنطقة تُعرف باسم "الغابات المقدسة"، التي يوجد أكثر من ألف منها موزعة في أنحاء المنطقة، وتتوسط كل منها كنيسة أورثوذكسية إثيوبية. وتبعد كل مجموعة من هذه المجموعات الصغيرة المنسقة من الأشجار، نحو كيلومترين عن المجموعة التي تليها، حتى يظل السكان قريبين من الغابات المتأصلة في حياتهم الاجتماعية والدينية. ويعتبر الإثيوبيون هذه الغابات مركزاً للتجمع والالتقاء ولإقامة الشعائر الدينية ومدرسة لتعليم الأطفال ومدفناً وحتى مراحيض، وتحمي السكان بظلالها من الشمس، أي بإختصار تعتبر هذه الغابات أساسية بالنسبة إليهم. 

زادت أهمية البقع الخضراء القليلة المتبقية في المنطقة بعد انتشار عمليات قطع الأشجار والزحف المدني، ويصل عمر بعض الغابات إلى أكثر من ألف عام. ويستغرق السير من حافة الغابة، التي تعادل مساحتها خمسة ملاعب كرة قدم، إلى الكنيسة في المنتصف بضع دقائق. وتتكون الغابة من حلقة من الأشجار تتوسطها مساحة خالية، يحيط بها جدار من الحجارة ويوجد في المنتصف كنيسة مستديرة يعلوها صليب، ويزدان سقف الكنيسة بألوان علم إثيوبيا. ويقول القس إن هذه الغابات مقدسة لأن كل غابة منها تضم تابوتاً في منتصف الكنيسة، يُقال إنه نسخة من تابوت العهد الأصلي. وتشع قدسية التابوت من المركز إلى الخارج، وكلما اقتربت الأشجار من الكنيسة زادت قدسية. ولهذا فإن حلقة الأشجار الأقرب من الكنيسة هي التي تحظى بالحماية القصوى. وتيرة قطع الأشجار زادت في المنطقة على مدى العقود الماضية، واليوم تغطي الغابات نحو خمسة في المئة فقط من إثيوبيا، مقارنة بنحو 45% منذ عقد مضى. واختفت أغلب الأشجار التي كانت تنمو بين الغابات.

ويقول الخبير الجغرافي بيتر سكال إن جيش الاحتلال الإيطالي في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، التقط صوراً جوية للمنطقة واحتفظ بالصور في صناديق الذخيرة عندما انسحب من الأراضي الإثيوبية في عام 1941. ولم يعثر عليها إلا في عام 2014، حين ظهرت 8,000 صورة في قبو وكالة التخطيط الإثيوبية بالعاصمة أديس أبابا. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، مرّ برنامج القمر الصناعي الأميركي "كورونا" فوق المنطقة، وهو أول قمر صناعي أميركي للاستطلاع التصويري أطلقته الولايات المتحدة في خضم الحرب الباردة لرصد مواقع إطلاق القذائف المحتملة للاتحاد السوفيتي. وأزاح الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون الستار عن الصور السرية التي التقطها القمر الصناعي في عام 1995، وبمقارنة هذه الصور القديمة بصور تطبيق "غوغل إيرث" الحديثة، اكتشف الباحثون أن هذه الغابات المقدسة لم تتآكل، بل بعضها زادت مساحته بفضل زراعة أشجار اليوكالبتوس غير الأصلية للاستفادة من أخشابها.

ويتضح من الصور القديمة وجود أشجار وشجيرات كانت تنمو في الماضي خارج الغابات، وكانت تعمل كمنطقة فاصلة لحماية الأشجار من الرياح وعمليات التعرية وتغيرات درجات الحرارة والرطوبة. وفي العقود القليلة الماضية، قُطعت هذه الأشجار لأغراض البناء والوقود، وسرعان ما تحولت الأراضي إلى أراضٍ زراعية، واختفت المنطقة الفاصلة تماماً. وقد اتخذت بعض الأبريشيات خطوات للحفاظ على الغابات، من خلال بناء جدران قصيرة حولها لمنع المواشي من الدخول إليها لتناول العشب. وقد ساهم ذلك في زيادة أعداد الشتلات. هذه الأشجار تشعبت في حياة المجتمع الثقافية والدينية وتشابكت معها. ورغم صغر مساحتها وحجم الأنشطة البشرية فيها، فإن التعلق الثقافي بالغابات، التي يتعبدون فيها ويسيرون بين جنباتها ويستفيدون من أخشابها منذ مئات السنين، ساهم في الحفاظ عليها.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.