الجمرة الخبيثة والطاعون... أمراض قديمة ستعود إلينا لهذه الأسباب!

جاد محيدلي | 1 تموز 2019 | 12:00

لا شك في أن العالم يتغير، وللأسف الى الأسوأ، فالتغير المناخي بات يؤثر على حياتنا اليومية، لا بل يهدد مستقبلنا. في عام 2012، زارت الباحثة سو ناتالي، سيبيريا للمرة الأولى، وكان هدفها دراسة تأثيرات ذوبان التربة الصقيعية بسبب التغير المناخي. ناتالي فوجئت لدى رؤيتها للمنطقة، نظراً للتأثيرات الهائلة التي أحدثها الذوبان المتسارع للجليد في البقعة التي زارتها، إلى حد تسبب في حدوث هبوط هائل في التربة، في أكثر من مكان. وفي لقاء مع BBC قالت إن "الأمر لا يصدق حقاً، ولا أزال أشعر بالقشعريرة كلما تذكرته. لم أستطع تصديق حجم ما حدث؛ منحدرات منهارة بحجم مبان متعددة الطوابق. خلال السير هناك، تجد جذوعاً ناتئة عن التربة، لكنها ليست جذوعاً على الإطلاق؛ بل هي عظام حيوان الماموث، أو غير ذلك من الكائنات التي عاشت في عصر البليستوسين". ولمن لا يعرف التربة الصقيعية، هي عبارة عن الأراضي المتجمدة على نحو دائم، حتى الآن على الأقل - تذوب وتكشف عن أسرارها الخفية. وهناك تحتها كميات هائلة من انبعاثات الكربون والميثان، وكميات الزئبق السام، بل والأمراض التي ظهرت في حقب قديمة، وظلت مُختزنة في هذه التربة. وتحتوي التربة على ما يُقدر بـ15 مليار طن من الكربون، وهو ما يوازي حوالي ضعفيْ كمية الكربون الموجود في الغلاف الجوي، وثلاثة أضعاف الكربون المختزن في الغابات.

وبحسب ناتالي فإذا ظل الحال على ما هو عليه على صعيد استخدام الوقود الأحفوري، سنخسر 70% من تلك التربة، أما إذا قلصنا انبعاثات هذا الوقود بشكل كبير، فستصبح النسبة المُهددة 30% فقط. كما تقول إن المساحة التي ستذوب تحتوي على كربون حبيس داخل مواد عضوية، سيبدأ في التفتت والانطلاق بفعل ميكروبات ستستخدمه كمصدر للطاقة وتطلقه في صورة ثاني أكسيد الكربون أو الميثان. وتفيد تقديرات بأن حجم عُشر الكربون المجمد، الذي قد ينبعث في صورة ثاني أكسيد الكربون، قد يتراوح ما بين 130 إلى 150 مليار طن، وهو ما يساوي المعدل الإجمالي السنوي للانبعاثات الكربونية من الولايات المتحدة، اعتبارا من الآن وحتى عام 2100. ويعني ذلك أن ذوبان التربة الصقيعية سيضيف عملياً، ما سيكون بمثابة "دولة جديدة" تحتل المركز الثاني على قائمة الدول الأكثر تسبباً للانبعاثات الكربونية، دون أن يكون بمقدورنا محاسبتها على ما تُحدثه من تلوث. وقد شهد كانون الثاني الماضي، وصول متوسط مساحة الجليد البحري في المنطقة القطبية الشمالية إلى 13.56 مليون كيلومتر مربع وهو ما يقل بواقع نحو 860 ألف كيلومتر مربع مما يُعرف بالمتوسط طويل الأمد لمساحة تلك البقعة، والذي ساد بين عامي 1981 و2001. كما بلغت درجة الحرارة في مناطق في الدائرة القطبية الجنوبية 1.2 درجة مئوية خلال تشرين الثاني، بينما يُفترض أن تكون الحرارة 25 درجة تحت الصفر في مثل هذا الوقت من العام. 

ذوبان التربة الصقيعية لا يؤدي إلى انبعاث الميثان وثاني أكسيد الكربون وحدهما. ففي سيبيريا كان هناك ما هو أخطر. ففي صيف عام 2016، أصيبت مجموعة من الرعاة الرحل لحيوان الرنة بمرض غامض، ولم يتم تحديد الطبيعة الحقيقية للمرض سوى بعدما أدى إلى وفاة صبي صغير ونفوق نحو 2500 من حيوانات الرنة؛ ليُعلن أنه الجمرة الخبيثة. وكان منشأ المرض جيفة لرنة هلكت بسبب المرض نفسه وظلت متجمدة لـ 75 عاماً، قبل أن تذوب التربة الصقيعية التي كانت محيطة بها، مما ينذر بأن ذوبان الجليد سيؤدي الى ظهور أمراض طواها الزمن منذ عشرات ومئات السنوات مثل الطاعون. بجانب ذلك، بدأ الزئبق يدخل بدوره في سلسلة الغذاء، بفعل ذوبان التربة الصقيعية. فالقطب الشمالي يمثل موطناً للجانب الأكبر من كميات هذا العنصر الكيمياوي الموجودة على كوكبنا. وتفيد تقديرات وكالة "المسح الجيولوجي الأميركي" بأن قرابة مليون و656 ألف طن من الزئبق تقبع في ثنايا الجليد القطبي والتربة الصقيعية، وهو ما يزيد تقريباً بواقع الضعف على ما هو موجود من هذا العنصر، في الغلاف الجوي والمحيطات وكل أنواع التربة الأخرى في الأرض. كما أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد كذلك من انتشار الفيروسات والأمراض بين الحيوانات التي اعتادت العيش في درجات حرارة منخفضة، بالإضافة الى انقراض حيوانات ونباتات جديدة تدريجياً. ولا ننسى بالطبع الفيضانات المفاجئة الناتجة عن الانهيارات الأرضية وارتفاع مستوى البحار نتيجة ذوبان الجليد. 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.