حقائق لا تعرفونها عن تاريخ الـ"هوت دوغ"!

جاد محيدلي | 9 تموز 2019 | 20:00

من أكثر الأكلات انتشاراً في العالم هي شطائر النقانق أي "الهوت دوغ"، التي تُباع في المطاعم وعلى العربات في الشوارع في العديد من دول العالم. فتلك الشطائر، التي تتألف من شرائح نقانق ساخنة تُوضع في لفافة من الخبز الطري تعتبر أيضاً الأكلة الرسمية في جميع الملاعب الرياضية خلال مباريات البيسبول في الولايات المتحدة الأميركية، وتُشوى في كل المنازل تقريباً في أميركا خلال حفلات الشواء "الباربكيو". هذا النوع من الأطعمة البسيطة ظهر خلال ستينيات القرن التاسع عشر، بعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها.  لكن بينما يمكنك العثور على شطائر نقانق السجق المُتبل هذه في مختلف أنحاء المناطق الرئيسية في هذا البلد، فإن الموطن الأصلي لها يوجد على ممر في حي كوني آيلاند بمدينة نيويورك. 

وبحسب BBC التي أعدت تقريراً عن هذه الأكلة الشعبية، فإن الكثير من اللافتات التي تنتشر في منطقة كوني أيلاند تُظهر أن هذا المكان هو الموطن الأصلي للهوت دوغ. أما بالنسبة للتاريخ، فبحسب المؤرخ مايكل كوين ابن هذه المنطقة والمتخصص في تاريخ كوني آيلاند، انخرط مهاجر ألماني يُدعى تشارلز إل. فيلتمان في بيع تلك الشطائر على شاطئ المنطقة. فيلتمان الذي وصل إلى الولايات المتحدة عام 1856 أحضر معه عشقه لنقانق السجق، التي كانت شائعة في موطنه الأصلي. وفي البداية، أنشأ الرجل مخبزاً في منطقة بروكلين بنيويورك عام 1865، وحقق إيرادات مهمة من نشاطه الرئيسي، الذي تمثل في توريد الفطائر للشركات الموجودة في "كوني آيلاند"، على عربة ذات عجلتين. كما كان يبيع المحار، كنشاط جانبي. ومع مد خط للسكك الحديد إلى كوني آيلاند، تدفق عدد أكبر من الناس من مانهاتن إلى المناطق القريبة من الشاطئ في أواخر ستينيات القرن التاسع عشر، حسبما يقول ريتشارد إف. سنو، رئيس التحرير السابق لمجلة "أميركان هيرتيدج"، الذي يضيف أن الزبائن قالوا لفيلتمان في ذلك الوقت إنهم يرغبون في تناول أطعمة ساخنة، وليس المحار البارد. لذا، طلب الرجل في عام 1867 من صانع العجلات تعديل تصميمها، بما شمل إضافة مجمرة تعمل بالفحم لشي السجق، وصندوق معدني لتسخين الخبز. 

وفي صيف ذلك العام، وبينما كانت الولايات المتحدة تتعافى من حربها الأهلية، انهمك فيلتمان في التنقل بعربته في مختلف أنحاء "كوني آيلاند" ليبيع قرابة 4000 من "الشطائر الساخنة حمراء اللون" مقابل خمسة سنتات لكل منها. وقد أدى وضع السجق في الخبز الملفوف، على نحو مغاير للطريقة التي تُقدم بها النقانق في ألمانيا دون خبز، إلى جعل التهام هذا الطعام على الشاطئ أمراً سهلاً للزبائن الأميركيين، فلا حاجة لوضعه في صحون بلاستيك كما في ألمانيا، الا أنه أضاف البيرة الألمانية للشطائر، ما حقق نجاحاً مذهلاً. في عام 1871، استأجر فيلتمان قطعة أرض صغيرة على شاطئ البحر، وأقام هناك مطعماً حمل اسم "فيلتمانز أوشن بافيليون". وبفضل نجاح المشروع، تمكن الرجل من توسيع أنشطته وأعماله، لتتحول عربته ذات العجلتين لبيع الفطائر، إلى إمبراطورية بكل معنى الكلمة مع مطلع القرن العشرين. ثم امتدت هذه الإمبراطورية على مساحة مربع سكني كامل، وتألفت من تسعة مطاعم وقطار للملاهي ودار للسينما الصيفية ومكان لشرب الجعة في الهواء الطلق، بالإضافة الى فندق ومرقص. وفي ذروة ازدهار أعماله، بلغ حجم إنتاج مطاعم فيلتمان من شطائر الـ "هوت دوغ" ما يصل إلى 40 ألف شطيرة يومياً. وعندما توفي هذا الرجل عام 1910 كانت شركته تضم أكثر من ألف موظف. وبحلول عشرينيات القرن العشرين، اعتبر مطعم "فيلتمان" الأكبر في العالم.

وفي أوج رواج شطائر الـ"هوت دوغ" في مطلع القرن العشرين، استعان آل فيلتمان بمهاجر بولندي يُدعى ناثان هاندفيركر، كان يتولى تقطيع الخبز. ويقول أحد أحفاد هذا الرجل في كتاب حمل اسم "ناثان الشهير"، إن جده بدأ توفير النقود اللازمة للاستقلال بنفسه وبدء مشروعه الخاص، وتحقق حلمه أخيراً في عام 1916 بفضل قرض حصل عليه بقيمة 300 دولار ووصفة منحتها له أسرة زوجته، ما أتاح له الفرصة لإقامة محل لبيع الشطائر، غير بعيد عن ذاك الذي كان يعمل فيه لدى رب عمله السابق. وبعد معاناة مع الأحوال الاقتصادية المضطربة في الفترة التي سبقت فترة "الكساد العظيم" في الولايات المتحدة ومن ثم الحرب العالمية الثانية، قام آل فيلتمان بتصفية أعمالهم التجارية في مجال بيع الشطائر، في الأربعينيات من القرن العشرين. ولبعض الوقت، استمر المالكون الجدد في هذا النشاط قبل أن يُغلق أبوابه للأبد عام 1954. وهكذا أصبح ناثان وللمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، المصدر الوحيد لشطائر الـ "هوت دوغ". ومن بين من كانوا زبائن مخلصين لفيلتمان خلال فترة الكساد العظيم، جد المؤرخ مايكل كوين الذي تحدثنا عنه سابقاً. وقال كوين الحفيد إن جده كان يُفضل بشكل عام نوعية شطائر فيلتمان، مقارنة بتلك التي كان يقدمها ناثان. فقرر تكريمه عبر إعادة العلامة التجارية لشطائر فيلتمان إلى الحياة. واشترى عام 2015 حق استخدام اسم فيلتمان، ليفتح بعد ذلك محلاً صغيراً لبيع الشطائر في حي "إيست فيلدج"، قبل أن يتمكن بعد عامين من إقامة محل في المكان نفسه، الذي كان فيه المحل الأصلي لفيلتمان في كوني آيلاند، وهو لا يزال حتى الآن.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.