كيف تحولت أخطر مدينة في العالم إلى مدينة سياحية؟

جاد محيدلي | 28 تموز 2019 | 20:00

في عام 2016، عقدت الحكومة الكولومبية ومتمردو القوات المسلحة الثورية اتفاق سلام تاريخي لإنهاء نصف قرن من الحرب الأهلية وفتح الأبواب أمام تدفق السيّاح. وقد توافد العام الماضي أكثر من أربعة ملايين سائح على البلاد. ولا تزال مدن بوغوتا وقرطاجنة وميديلين تأتي في صدارة الوجهات الأكثر جذبا للسياح بين المدن الكولومبية. أما مدينة كالي، فترجع قلة عدد زوارها إلى سمعتها السيئة في عالم الجريمة والمخدرات التي ساهمت في ترسيخها مسلسلات هوليوود الأكثر شهرة، مثل "ناركوس". وفي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، كانت كالي واحدة من أخطر المدن في العالم، إذ كانت معقلاً لتجار المخدرات والأسلحة والقنابل والمجرمين، وكان يمسك بزمام الأمور فيها الأشقاء رودريغز، مؤسسو "منظمة كالي الإجرامية"، التي تعد واحدة من أقوى الاتحادات الإجرامية في التاريخ.

لكن الآن يقضي الأشقاء رودريغز عقوبة السجن في السجون الأميركية، وانخفضت معدلات الجرائم انخفاضاً كبيراً بسبب بعض الإجراءات التي فرضتها الحكومة، مثل حظر حمل الأسلحة في أيام صرف الرواتب، وتشديد قوانين شرب الخمر ليلاً. كما انخفضت معدلات جرائم القتل العمد في المدينة في الفترة ما بين 1993 و2018 بنسبة 82%. وتمتلك كالي أيضاً مقومات أخرى تؤهلها لتستعيد مكانتها بين الوجهات السياحية في كولومبيا، مثل طقسها الدافئ على مدار العام، وجبالها الخضراء الزاخرة بطرق الدراجات، وأطباقها الشهية وحفاوة استقبال سكانها للزائرين.

وتحتضن كالي أكثر من 200 مدرسة لتعليم رقص السالسا، يقع أقدمها في قلب المدينة. ويفضل الأجانب المدارس في شارع سان أنتونيو التاريخي المبلط بالحجارة. وتقول نورا أليخاندرا تومار، صاحبة إحدى مدارس الرقص، إن مدينة كالي لم تخترع رقصة السالسا، لكنها طورتها وأضفت عليها إيقاعاً سريعاً، هو أسرع إيقاع للسالسا في العالم.  إذ يشاع أنه في أحد النوادي الليلية في الماضي، تعطل جهاز تشغيل الموسيقى فجأة وقام بتسريع الموسيقى، لكن الحاضرين لم يتوقفوا عن الرقص، بل أثار هذه الإيقاع إعجابهم، وراحوا يرقصون بوتيرة أسرع. وتقول تومار إن المدينة تستقطب السياح من عشاق الرقص منذ عقود، لكن أعداد السياح زادت منذ إبرام اتفاق السلام، ويصل عدد السياح إلى ذروته في مهرجانات السالسا التي تقام سنوياً في المدينة حيث يخرج الآلاف في حللهم البرّاقة إلى الشوارع ويرقصون على وقع موسيقى عازفي السالسا.

من جهة أخرى، طوّر أحفاد الأفارقة الذين جاؤوا في فترة تجارة الرقيق، مهاراتهم في الطهي وساهموا في إثراء المطبخ الكولومبي بأطباق جديدة. ويقول ميل نيمان، هولندي يعيش في كالي منذ عام 2011 ومؤسس شركة لتنظيم رحلات سياحية لتذوق أطعمة كالي، إن الطعام في كالي له نكهة مميزة، لأنه تأثر بعدة ثقافات. فإن الكثير من أطباق كالي تعتمد على الأسماك الطازجة، نظراً لقرب المدينة من المحيط الهادئ، كما أنها غنية بالأعشاب والفواكه الاستوائية، نظراً لقرب المدينة من الجبال. كما تأثر مطبخ كالي بأساليب الطهي الأفريقية، لهذا فإن أطباق كالي مفعمة بخليط من النكهات التي لا تتذوقها في أي مكان آخر في كولومبيا، وبالطبع لا يمكن إلا تذوق القهوة الكولومبية الشهيرة.

وكل مساء تقوم مجموعة من الدراجين بالخروج في رحلات عبر المدينة على الدراجات البخارية، قد تبلغ تكلفتها 30 ألف بيزو، ما يعادل 7.5 جنيهات إسترلينية. وتبدأ الرحلة من منطقة باريو غرانادا، التي تضم المطاعم والنوادي الترفيهية الفخمة، ثم تمر بمتحف "لا تيرتوليا" للفن الحديث، وسوق لوما دي لا كروز للمصنوعات اليدوية، ومتنزة القطط، الذي يضم 16 تمثالاً لقطط على الضفة الشمالية لنهر كالي.  وعلى الضفة المقابلة يوجد شارع "بوليفار دي ريو"، وهو طريق معد للدراجات ومحاط بحانات. ثم يمر الدراجون بمتحف "كاليوود" الخاص الذي يوثق تاريخ صناعة السينما في كالي منذ بداية دخول الأفلام وأجهزة العرض السينمائي إلى المدينة في أواخر القرن التاسع عشر. ويصعد مئات الدّراجين عبر طريق بديل أكثر صعوبة على مسافة تسعة كيلومترات للوصول إلى تمثال المسيح الملك الذي يبلغ طوله 26 متراً فوق قمة أحد التلال غربي المدينة. ويستغرق صعود هذا الطريق المنحدر والمتعرج نحو ساعة، لكنه يشرف على مناظر أخاذة. 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.