قصة القرية التي خرج أهلها منها ولم يعودوا!

جاد محيدلي | 5 آب 2019 | 22:00

كثيرة هي القصص التاريخية التي تتميز بغرابتها، ومن بين تلك القصص تبرز قرية تورتوك التي كانت جزءاً من باكستان حتى عام 1971، حين احتل الجيش الهندي القرية في خضم معركة حدودية بمحاذاة خط المراقبة، الذي يفصل بين الجزء الذي يخضع لسيطرة الهند وبين الجزء الذي يخضع لسيطرة باكستان، وحتى الآن لم ترد الهند القرية إلى باكستان. القرية توجد في أحضان سلسلة جبال قراقرم الشاهقة ونهر شيوك في أقصى أطراف وادي نوبرا بمنطقة لاداخ في أقصى شمال الهند، ولا يمكن الدخول إليها أو الخروج منها إلا عبر طريق واحد ضيق ووعر يجتاز مرتفعات الجبال وينتهي في مدينة ليه. سكن قرية تورتوك البالتيون، وهي مجموعة عرقية من نسل شعب التيبت ويعيش أغلب أفرادها في منطقة سكاردو بباكستان، في حين يسكن سائر منطقة لاداخ شعب التيبت اللاداخيون، ويدينون بالديانة البوذية. ويتحدث سكانها اللغة البالتية ويدينون أيضاً بالإسلام ويتبعون الطريقة النوربخشية الصوفية، ويرتدون الشلوار، وهو الزي التقليدي الباكستاني، وتربط بينهم وبين البالتيين، الذين يعيشون في منطقة بلتستان داخل الحدود الباكستانية، الكثير من السمات المشتركة.

وكانت قرية تورتوك جزءاً من باكستان حتى عام 1971، حين سيطرت عليها الهند في خضم معركة حدودية بين البلدين على طول خط المراقبة المتنازع عليه، الذي يفصل بين المناطق الخاضعة لسيطرة الهند والمناطق الخاضعة لسيطرة باكستان، ويمر عبر بعض أكثر الجبال ارتفاعا ووعورة على ظهر الكوكب. لم ترد الهند قرية تورتوك إلى باكستان قط بسبب مخاوف أمنية خشية اختراق حدودها مع باكستان. ولم يتمكن سكان القرية الذي خرجوا منها لزيارة أصدقائهم، أو للعمل خارج القرية في هذا اليوم عام 1971 من العودة إليها. وأحكمت الهند قبضتها على المنطقة وفرضت رقابة صارمة على مداخلها ومخارجها لسنوات. لكن هذه المنطقة الحدودية غدت أكثر هدوءاً طيلة العقد الماضي. وفي عام 2010 سُمح للسياح بدخول قرية تورتوك، لمشاهدة طبيعة الحياة الفريدة في هذه القرية. ويستفيد سكان القرية البالتيون من الأسوار الصخرية الشاهقة لجبال القراقرم التي تحيط بالقرية، فيستخدمون حجارتها في تشييد المنازل وتمهيد الأزقة وتبطين قنوات الري لسقي المحاصيل الزراعية. وتعرف هذه الأنظمة باسم "البيوت الباردة" بسبب المخازن الصخرية التي يوجد بها فتحات يمر خلالها الهواء البارد ليحفظ المنتجات في الداخل من طعام وشراب.

على الرغم من أن الصراع الباكستاني الهندي على كشمير لم يخمد بعد، إلا أن سكان قرية تورتوك ينعمون بالسلام. إذ أصدرت الهند بطاقات هوية هندية لسكان القرية ومنحتهم حق المواطنة منذ استيلائها على القرية في عام 1971. واتخذت الهند خطوات جادة لتطوير وادي نوبرا، من تحسين الطرق، والخدمات الصحية والنقل والمواصلات، كما شهدت المنطقة طفرة سياحية مؤخراً، وكل هذه المؤشرات قد تدل على أن قرية تورتوك ستشهد ازدهاراً مستقبلاً. لم يتعلم سكان هذه القرية التأقلم مع البيئة القاسية والعيش في انسجام معها فحسب، بل حققوا أيضا ازدهارا كبيرا. وظل سكان القرية أوفياء لجذورهم الثقافية رغم أن القرية خرجت بين عشية وضحاها من الدولة التي كانت تابعة لها، ويتطلعون الآن للمستقبل بينما يستقبلون الضيوف من جميع أنحاء العالم.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.