لماذا ثقب الأشخاص جماجمهم وهم أحياء منذ آلاف السنوات؟

جاد محيدلي | 9 آب 2019 | 09:00

هل كنتم تعلمون أنه منذ آلاف السنين انتشرت عملية تسمى "التربنة"؟ وهي عملية جراحية قاسية تتضمن عمل ثقب في جمجمة شخص حي، إما بالحفر أو القطع أو كشط طبقات من العظام بأداة حادة. العلماء اختلفوا في تحديد السبب الذي دعا أجدادنا لإجراء هذه العمليات الا أنه تم اكتشاف آلاف الجماجم التي تحمل آثار عمليات ثقب الجمجمة في مواقع أثرية عديدة حول العالم. وبحسب روايات علماء الإنسانيات، فقد كانت عمليات ثقب الجمجمة تجرى في مطلع القرن العشرين في أفريقيا وجزر بولينيزيا الفرنسية، لعلاج الآلام المبرحة، مثل الألم الذي تسببه إصابات الرأس أو الأمراض العصبية. وربما تكون قد أجريت قديماً أيضاً لنفس الغرض، إذ عثر العلماء على علامات في الكثير من الجماجم المثقوبة في المواقع الأثرية تثبت وجود إصابات رأس أو أمراض عصبية، وغالباً في نفس موضع ثقب الجمجمة. إلا أن الكثير من الباحثين افترضوا أن عمليات ثقب الجمجمة كانت تمارس قديماً لتأدية طقوس روحانية أو شعائر دينية. وقدر العلماء عمر أقدم أدلة على عمليات ثقب الجمجمة بنحو 7,000 سنة. وكانت هذه العملية تمارس في مناطق عديدة من العالم، مثل اليونان القديمة وأميركا الشمالية والجنوبية، وأفريقيا وجزر بولينيزيا والشرق الأقصى، وربما يكون هذا النوع من العمليات قد طُور في كل منطقة على حدة. وقد توقفت معظم الشعوب عن هذه الممارسة في أواخر العصور الوسطى.

وكانت الدراسات العلمية المبكرة التي نشرت في القرن التاسع عشر، تشير إلى أن البشر قديماً كانوا يثقبون الجماجم أحياناً للسماح بدخول الأرواح إلى الجسم أو خروجها منها أو كطقس للانضمام إلى قبيلة أو مجتمع جديد. لكن لا يستبعد أن تكون هذه العمليات قد أجريت لأسباب طبية، لأن بعض إصابات الرأس لا تترك أثراً على الجمجمة. واكتشف علماء الآثار في روسيا أفضل الأدلة حتى الآن التي تثبت أن عمليات ثقب الجمجمة كانت تمارس لتأدية طقوس روحانية. وبحسب BBC، بدأت القصة في عام 1997، حين كان علماء الآثار ينقبون في موقع مقبرة أثرية على مشارف مدينة "روستوف أون دون" في أقصى جنوب روسيا. ويحوي الموقع 20 مقبرة مستقلة تضم بقايا 35 هيكلاً عظمياً بشرياً. وبالنظر إلى أساليب الدفن، رجح علماء الأثار أنها تعود إلى الفترة ما بين عام 3,000 وعام 5,000 قبل الميلاد، أي الفترة التي تعرف باسم العصر النحاسي الحجري. وضمت إحدى المقابر هياكل عظمية لخمسة بالغين، امرأتين وثلاثة رجال، وطفل وفتاة في سن المراهقة. واللافت أن العلماء عثروا على ثقوب في جماجم الرجلين والامرأتين، والفتاة المراهقة. وكانت كل جمجمة تضم ثقباً واحداً عرضه عدة سنتيمترات. وتضمنت جمجمة الرجل الثالث جزءاً مجوفاً نُحت بأداة. ونادراً ما كانت عمليات ثقب الجمجمة تجرى عند هذه النقطة.

وبتحليل الثقوب في الجماجم الكثيرة الأخرى التي اكتُشفت، استنبط العلماء العديد من المعلومات عن مصير أصحابها بعد خضوعهم لعمليات ثقب الجمجمة. إذ تعود إحدى الجماجم، التي عثر عليها في مقبرة على مشارف مدينة "روستوف أون دون"، لامرأة قدر العلماء عمرها وقت الوفاة بنحو 25 عاماً أو أقل، ولم تظهر على الجمجمة أي آثار للالتئام، ما يشي بأنها توفيت أثناء العملية أو بعدها مباشرة. ولاحظ العلماء أن حواف الثقوب في جماجم ثلاث أخرى التأمت جزئياً، ما يدل على أن أصحابها عاشوا ما بين أسبوعين وثلاثة أسابيع بعد العملية، في حين كانت الثقوب في ثمانية جماجم أخرى قد شارفت على الالتئام كلياً، ما يشي بأن أصحابها عاشوا أربع سنوات على الأقل بعد العملية. فربما يكون هؤلاء قد خضعوا لعملية ثقب الجمجمة لأنهم كانوا يعانون من مرض أو إصابة رأس، وفي هذه الحالة نجحت العملية في علاج بعضهم، ولكن ربما تكون هذه العملية أجريت لهم لتأدية طقوس روحانية فقط.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.