بخور عربي أغلى من الذهب ويشفي الأمراض... ما هو؟

جاد محيدلي | 21 آب 2019 | 18:00

في قصص وردت في الكتاب المقدس، كان سوق مطرح بالعاصمة العمانية مسقط بين أماكن قليلة في العالم يمكن للمرء فيها شراء الذهب وبخور اللبان والمر، وهي الهدايا الثلاث التي قدمها المجوس للطفل يسوع. كانت تلك الهدايا أثمن ما يقدم قبل ألفي عام، إذ كان اللبان يومها يثمّن بالذهب. ودخل اللبان العماني في صناعة البخور، كما استخدم كدواء لمتاعب شتى، وهو مادة تشبه الصمغ ذات رائحة زكية تفرزها أشجار تنمو في مناطق تمتد من القرن الأفريقي إلى الهند وحتى جنوب الصين. وكان العالم يستورد أغلب اللبان من الصومال وإريتريا واليمن، لكنها شهدت صراعات حادة في السنوات الأخيرة. أما عمان فتنعم بالسلام وتنتج أفضل لبان العالم وأثمنه. وقديماً أطلق الفراعنة على اللبان اسم "عرق الآلهة". تنمو أشجار اللبان من الفصيلة البوسويلية في إقليم ظفار الوعر جنوبي عمان، وتتحدد جودة اللبان وفق اللون والحجم وتركز الزيوت العطرية فيه، وأغلى أنواعه "الحُوجري" الذي تنتجه الأشجار بنطاق محدود من جبال ظفار لا يصله رذاذ أمطار الصيف الموسمية. واليوم تنتشر أشجار اللبان في المنطقة التي تخترقها دروب القوافل المتصلة بالمرافئ التي تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد، التي أدرجتها اليونيسكو ضمن قائمة التراث العالمي تحت عنوان "أرض اللبان". ويقول المؤرخ الروماني بلينيوس الأكبر (23-79 ميلادية) إن تجارة اللبان جعلت العرب الجنوبيين "أغنى أهل الأرض".

واعتبر اللبان في السابق مسكّناً للآلام ومكافحاً للأمراض، بل ومقوياً جنسياً، وشاع استخدامه لعلاج كافة المتاعب والأمراض، من آلام الحيض وحتى سرطان الجلد. ووصفه أحد أطباء عسكر الإغريق، ويدعى فيدانيوس ديسقوريدوس، بأنه دواء لكل داء، موصياً باستخدام صمغه في علاج القروح والتئام الجروح. كما ورد ذكره في بردية إبيرس المصرية القديمة للطب، كعلاج للربو والنزيف والتهاب الحلق والقيء وغيره. واستجلب المصريون كميات ضخمة منه للعطر وطرد الحشرات وللاستخدام في التحنيط، وقد عثر على دهان منه بمقبرة توت عنخ آمون عام 1922. واستخدم في البخور في مراسم دينية ومراسم للتطهير، واعتقد أن بخوره يصعد إلى السماء وقد شاع استخدامه بالمعابد في العالم القديم، وحتى يستخدم حالياً لطرد الجن وإبعاد الحشرات والحيوانات عن المنزل، حتى إن بعض النساء الحوامل يتناولنه إذ يعتقدن أنه سيجعلهن يلدن طفلاً ذكياً، كما يدخل في أدوية ومشروبات ساخنة تساعد على الهضم وتحسين البشرة. وتقول تريفي هاريس، صاحبة شركة أنفلوراج لتقطير اللبان بعمان، إن العمانيين يشيرون إلى حبات اللبان من جبل سمحان أو حاسك باعتبارها الأفضل، وتصف اللبان الوارد من ساحل ظفار جنوب شرقي البلاد باعتباره "الأنقى والأزكى رائحة". وجاءت هاريس إلى عمان عام 2006 لتشتري اللبان لمتجرها للزيوت العطرية في نيويورك، وتقول: "لكني لم أجد حتى في عمان إلا الزيت الصومالي، ولم أجد الزيت العماني الأعلى جودة، إذ لم يقطره أحد للبيع حينها". وفي عام 2011، انتقلت إلى صلالة عاصمة محافظة ظفار وأسست شركة "أنفلوراج"، وهي اليوم في مسقط وتبيع لشركات عطور عالمية، وشركات زيوت عطرية، و"زبائن يطلبون عطر اللبان الراقي المميز".

ويستخلص اللبان العماني بالكامل تقريباً من أشجار البوسويليا التي تنمو برياً بصحراء ظفار وتملكها قبائل المنطقة. ويبدأ حصاد اللبان في نيسان من كل عام، لأن الحرارة تجعل الصمغ ينساب بشكل أسهل متجمعاً كالحليب الأبيض قبل أن يصبح كالشمع ثم يترك عشرة أيام ليجمد تماماً ومع حلول الخريف تستخلص الغلة الأفضل والأنقى لوناً. وتستخدم الشجرة لخمس سنوات ثم تترك خمساً. وأظهرت دراسة نشرتها مؤخراً مجلة "نيتشر" أن تلك الأشجار معرضة للانقراض، لدرجة أن إنتاج اللبان سيقل للنصف خلال السنوات العشرين المقبلة. وحذر تقرير آخر من أن إنتاج اللبان قلّ فعلاً من عشرة كيلوغرامات للشجرة في المتوسط إلى 3.3 كيلوغرامات، بينما انخفضت أعداد تلك الأشجار بمحمية جبل سمحان بظفار بنحو 85% خلال العقدين الماضيين. ويشير العلماء إلى الجفاف والرعي الجائر والحشرات المؤذية والحصاد غير القانوني من جانب مهربين صوماليين، كأسباب لانخفاض كمية اللبان، وهو ما دفع سلطان عمان في السنوات الأخيرة إلى نشر حرس مسلح لحماية أودية اللبان.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.