قصة الفضيحة الجنسية التي هزت العصر الفيكتوري ودمرت حياة شخصين!

جاد محيدلي | 24 آب 2019 | 10:00

في نيسان 1892، تم توزيع منشور من ثماني صفحات باللغة الإنكليزية في مدينة حيدر أباد، الواقعة في أحد أكبر وأثرى الأقاليم في جنوب الهند زمن الحكم البريطاني. المنشور لم يكن عادياً، بل كان بمثابة فضيحة وتسبب في تدمير حياة شخصين وهما النبيل الهندي المسلم مهدي حسن، وزوجته البريطانية الأصل الهندية المولد إيلين غيرترود دينيلي. في ذلك الوقت، لم يكن الزواج المختلط أمراً طبيعياً في الهند، فلم يمارس الحكام الجنس مع المحكومين، ناهيك عن الزواج بهم. كما كان من غير المقبول تماماً أن تنشأ علاقة بين رجل هندي وامرأة بيضاء. لكن الزوجين كانا ينتميان إلى دوائر النخبة في حيدر أباد، وقررا أن يتزوجا رغم كل الاعتراضات. منحت أصول وعلاقات إلين البريطانية ودور مهدي في الحكومة الإقليمية، الزوجين سلطة استثنائية في نهايات القرن التاسع عشر، وهو الأمر الذي وصل إلى درجة تلقيهما دعوة للسفر إلى لندن ولقاء الملكة فيكتوريا. لكن نجاح وشهرة مهدي أثار غيرة عدد من سكان حيدر أباد وشخصيات أخرى من شمال الهند ممن يعيشون في المدينة. وأصبح مهدي رئيس المحكمة العليا في حيدر أباد، قبل أن يتولى منصب وزير الداخلية في الإقليم. في نفس الوقت بدأت إلين تبرز في أوساط الدوائر الثرية في حيدر أباد، وهو ما أثار حفيظة البعض.

وكل هذه الأسباب دفعت الى ظهور المنشور الذي تحدثنا عنه والذي أدى إلى سقوط الزوجين. فلم يجد معدو المنشور الغيورون طريقة للتخلص من مهدي فاستهدفوا زوجته إلين. وتضمن المنشور ثلاثة اتهامات محددة. أولاً، ادعى أن إلين كانت بائعة هوى قبل أن تتزوج مهدي، وأن كاتب المنشور وبعض أصدقائه أقاموا علاقات جنسية معها. ثانياً، ادعى المنشور أن مهدي وإلين لم يتزوجا وعلاقتهما محرمة. وأخيراً، ادعى المنشور أن مهدي "باع" خدمات جنسية تقدمها إلين لأعضاء بارزين في الجهاز الإداري في حيدر أباد للحصول على امتيازات. وعلى الفور، رفع مهدي قضية ضد دار نشر "أس أم ميترا" التي طبعت المنشور، في محكمة ترأسها قاض بريطاني. واستخدم المدعي والمدعى عليه محامين بريطانيين، وقدما رشى لشهود. وفي قرار مفاجئ حكم القاضي ببراءة إدارة دار النشر، بينما لم يتطرق إلى تهم المساكنة والدعارة والخداع وشهادة الزور والرشوة والعديد من التهم الأخرى التي وردت في الدعوى. وأصبحت فضيحة المنشور فضيحة جنسية دولية، وتابعتها حكومة جلال أباد والإدارة البريطانية في الهند والحكومة البريطانية في لندن وصحف عبر العالم على مدى تسعة شهور.

وبعد أيام من صدور الحكم، عاد مهدي وإيلين إلى مدينة "لوكنو"، الواقعة شمال الهند والتي نشأ فيها كلاهما. وقام مهدي بعدة محاولات للعمل في الحكومة المحلية في لوكنو، حيث خدم يوماً ما، على أمل الحصول على تقاعد، لكنه لم ينجح. فتخلت الحكومة الكولونيالية في الهند عن مهدي وكذلك فعلت حكومة جلال أباد. وفي النهاية فقد وظيفته كوزير داخلية، وحرم من أي مخصصات تقاعد أو تعويض. وحين فارق الحياة في سن الثانية والخمسين لم يترك مهدي أموالاً لإلين. ومع تقدمها في السن ساءت أحوال الزوجة الصحية، وتوجهت في سنواتها الأخيرة إلى رئيس وزراء حيدر أباد للحصول على بعض التعويضات. ونظر المسؤولون في حيدر أباد إلى طلبات إلين بعين العطف وحكموا لها بتعويض بسيط، لكنها ماتت بالطاعون بعد ذلك بفترة قصيرة. شكلت فضيحة المنشور نقطة النهاية في تاريخ الهند الذي كانت فيه حيدر أباد والإمارات الأخرى تحت "مستبدين شرقيين"، قبل أن ينحاز بعضهم إلى الوطنيين. واكتسب حزب "المؤتمر الوطني الهندي"، الذي تأسس عام 1885، زخماً وقت محاكمة مهدي وإلين عام 1892. وبعد موت إلين بفترة وجيزة عاد المهاتما غاندي إلى الهند وعزز دور المؤتمر في الحركة من أجل حرية الهند.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.