البسكويت وراحة الحلقوم، حلوى المناسبات الحزينة والسعيدة

محمود فقيه | 7 أيلول 2019 | 14:00

توزيع البسكويت والراحة ليس عادة دينية ولا يمكن أن نلتمس أي رمزية معنوية إسلامية، ولكنها عادة اجتماعية أو شعبية ورثناها عبر الأجيال. توزّع هذه الحلوى في المناسبات الدينية مثل أعياد الأضحى وعيد الفطر وعيد مولد النبوي وأخيراً مجالس عزاء الإمام الحسين بن علي (عاشوراء).

تاريخياً، كان الأتراك يوزعون الراحة المعروفة بالـTurkish Delight في المناسبات الدينية وكانوا يعشقون هذه الحلوى، فالراحة بالأصل هي حلوى تركية وليست شامية أو عربية. قدمت إلى بلاد الشام من خلال الحكم العثماني وبالتحديد عبر عائلة الناقوزي الصيداوية.


ينتج معمل زهير عبدالرزاق الناقوزي راحة الحلقوم على مدار السنة ولكن هلال شهر محرم الهجري يشكل بداية موسم جديد، حيث يوزع المسلمون الشيعة في مجالس العزاء الحسينية الراحة عن روح الإمام الثاني لديهم الذي استشهد في واقعة الطف في العاشر من محرم عام 61 للهجرة والموافق لـ  10 تشرين الأول 680م.

ويقول أحد أصحاب المعمل ماهر ناقوزي وهو أول معمل أنشئ في بوابة الجنوب اللبناني، أن جده عبدالرزاق هو من حمل هذه الصنعة من تركيا إلى لبنان عام 1890 وفي تلك الفترة كانت القوات العثمانية قد اخذته إلى الخدمة الإلزامية وشاءت الصدف أن يخدم في المطبخ التركي حيث تعلم صناعة الحلويات التركية وتخصص في صناعة راحة الحلقوم. 

ويقول ماهر لـ "صيحات" إن صناعة الراحة تداولتها أربعة أجيال وهي اليوم باتت تشكل إحدى الصناعات التراثية التي تتميز بها مدينة صيدا، وتمكن المعمل من أن ينافس في إنتاجه منتجات البلد المنشأ للراحة وأن يفوز بشهادات في الجودة، وحتى إن بعض الناس يفضلون الراحة اللبنانية وراحة معمل الناقوزي المتواجد في حي الاسكندراني على الراحة التركية. وراحة الحلقوم انتشرت في العصر العثماني والتي تعني تخفيف الحلق في الأناضول, وينقل ماهر عن والده قوله:" راحة الحلقوم للحلقوم راحة". في صناعته الأولى أضاف العسل والفواكه والدقيق، من ثم اعتمد النشاء والسكر المكرر في إنتاجه وتغير مذاق الحلقوم وصناعته.


كانت الراحة في الماضي تسمى في لبنان براحة الفقراء، وكانت صناعتها بدائية ومكوناتها من السكر والنشاء والمنكّهات الطبيعية، ومع الوقت تطورت وأدخلت عليها مكونات أخرى، ويشرح ناقوزي أن طريقة تحضير الراحة تطورت عبر الزمن وأدخلت التكنولوجيا إليها بعدما كان يستلزم إنتاجها وجبة واحدة ساعة ونصف من التحريك اليدوي المتواصل على نار الفحم الحجري. ينتج المعمل أنواعاً أخرى من الراحة كراحة المولد النبوي الشريف وملبن العيد المحشو بالجوز الذي ينتج حصراً في العيد الكبير (الأضحى) والصغير (الفطر).

عادة ما كان الأتراك يوزعون هذه الحلوى في مناسباتهم، ولكون الشيعة مكوناً أساسياً من المجتمع الذي حكمه العثمانيون، استمروا بهذا التقليد حتى اليوم وما زالوا يوزعون الراحة  في مجالس الحزن الحسينية. والاستمرار في هذا التقليد له أسباب اجتماعية واقتصادية، منها توافرها وسعرها الزهيد، ولكون مجالس عاشوراء يحضرها الكثير من الناس وكانت تقام في بيوت الفقراء في القرى أو في المساجد قبل انتشار الحسينيات كانت راحة الحلقوم والبسكويت هي الحلوى الأبسط التي يمكن توزيعها إلى جانب أبريق ماء زجاجي أو فخار على الحضور.

وبسبب تكلفتها الزهيدة، كان الفقير والثري يشعران أنهما متساويان في تقديم ما هو ميسور لديهم عن روح "أبي عبدالله الحسين وأهل بيت النبي".  ومع تطور حال الناس وتطور الصناعة تفانى ميسورو الحال بحب الحسين ووزعوا حلوى الراحة المحشوة بالمكسرات كالفستق الحلبي، الكاجو، اللوز، البندق والفول السوداني ولكن البسكويت لم يتخلَ عن الراحة السادة المنكهة غير المحشوّة.

ولهذه الحلوى معانٍ جمة في الوحدة الإسلامية في لبنان، يتشاركها المسلمون في مجالسهم الحزينة والسعيدة والهدف واحد هو التقرب من خلالها إلى النبي محمد وآل بيته والتعبير الصادق عن الحب والإخلاص لهم ولمبادئهم الإصلاحية.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.