كوارث وأمراض ومجاعات... ما هي أسوأ سنة مرت بتاريخ البشرية؟

جاد محيدلي | 5 أيلول 2019 | 15:00

 حروب، فقر، مهجرون ونازحون، تراجع اقتصادي، أزمات بيئية وصحية... عند التفكير في الأيام التي نعيشها حالياً، أول ما يخطر في بالنا هو أنها أصعب وأسوأ أيام تمر على البشرية وعلى كوكب الأرض. لكن وعلى ما يبدو فإن ما نعيشه الآن لا يٌقارن مع ما حصل في عام 536 بعد الميلاد، وهو العالم الذي يعتبره مؤرخ العصور الوسطى وعالم الآثار في جامعة هافارد، مايكل ماكورميك "أحد أسوأ الفترات، إن لم تكن أسوأها، لمن كان يعيش في أجزاء شاسعة من العالم في ذلك الوقت". وبحسب مقال كتبه ماكورميك في مجلة "ساينس العلوم"، سيطر في ذلك الوقت ضباب غريب وقوي على أوروبا، والشرق الأوسط، وأجزاء من آسيا، بحيث أصبحت السماء قاتمة ليلاً ونهاراً، لمدة 18 شهراً. كما انخفضت درجة الحرارة في صيف 536 بنسبة بين 1.5 درجة و2.5 درجتين، ليبدأ أبرد عقد في السنوات الـ2300 الماضية. وسقطت الثلوج في ذلك الصيف في الصين، وتضررت المحاصيل الزراعية، ومات الناس جوعاً. وفي عام 541 أصاب نوع من الطاعون، يعرف بالطاعون الدملي، ميناء بيلوسيوم الروماني في مصر. وانتشر ذلك الطاعون، الذي عرف باسم طاعون جستنيان، بسرعة كبيرة، وقضى على ما بين ثلث إلى نصف سكان الإمبراطورية الرومانية الشرقية، وسارع في انهيارها، بحسب ما يقوله ماكورميك.

اعتبر المؤرخون منذ فترة طويلة أنه مرت فترة حالكة وسيئة على البشرية في منتصف القرن السادس الميلادي، فيما كان يعرف آنذاك بالعصور المظلمة. ولكن وجد الآن باحثون يعملون في "مبادرة ماضي العلوم البشرية" في جامعة هارفارد تفسيراً لتلك الفترة، بعد أن أجروا تحليلاً شديد الدقة للثلوج التي أخذوها من الأنهار الجليدية السويسرية. وعثر في الثلوج، التي ترجع إلى فترة الربيع في عام 536، على جزيئات زجاج بركاني دقيقة تشير إلى حدوث انفجار بركاني ضخم في أيسلندا، أو ربما في شمال أميركا، أدى إلى انبعاث رماد كثيف غطى الجزء الشمالي من الكرة الأرضية. ويعتقد الباحثون أن الرياح حملت الضباب البركاني عبر أوروبا، وفي وقت لاحق إلى آسيا، وكان ذلك مصحوباً بطقس بارد، فأصبحت السماء معتمة في الليل والنهار. ثم تبع ذلك انفجاران كبيران آخران في عامي 540 و547. وأعقب تلك الانفجارات المتكررة ظهور طاعون، أدى إلى إغراق أوروبا في جمود اقتصادي حتى عام 640 بعد الميلاد.

وبحسب العلماء، تشير الثلوج التي ترجع إلى ذلك العام إلى بدء تعافي الاقتصاد في العصور الوسطى. ووجد الباحثون آثار زيادة كبيرة في مستويات الرصاص في الهواء وفي الأنهار الجليدية، ما يشير إلى عودة التنجيم عن الفضة، وهو ما كان قد تقلص كثيراً في السنوات العشر الأولى من القرن السادس. ثم ظهرت طفرة أخرى في الرصاص في عام 660، ما يدل على استخدام الفضة بكثرة في اقتصاد القرون الوسطى. ويقول كايل هاربر، المتخصص في تاريخ الرومان والعصور الوسطى في جامعة أوكلاهوما في نورمان، إن سجل الكوارث الطبيعية المفصل، والتلوث البشري المجمد في الثلوج: "يعطينا سجلاً جديداً نفهم منه سلسلة الأسباب البشرية والطبيعية التي أدت إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية، والتقلبات المبكرة في اقتصاد العصور الوسطى". وتسمح تلك المعلومات المجمدة للعلماء بإلقاء الضوء على ما تبقى من أحد أشد الفترات ظلمة في الحضارة البشرية.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.