قصة العالم العبقري الذي ظلمه التاريخ... هذا ما حصل معه

جاد محيدلي | 18 تشرين الأول 2019 | 18:30

حصل العالم الباكستاني محمد عبد السلام على جائزة نوبل في الفيزياء في عام 1979، لأن أبحاثه ساهمت في وضع أسس إحدى النظريات في فيزياء الجسيمات التي لا تزال تستخدم حتى يومنا هذا، ومهد السبيل لاكتشاف جسيم "بوزون هيغز"، المسؤول عن اكتساب جميع الجسيمات الأخرى لكتلتها. وكان عبد السلام أول باكستاني يفوز بجائزة نوبل، وبدلاً من أن يمثل هذا الفوز لحظة تاريخية لبلاده، طوى النسيان إنجازاته في مسقط رأسة بعد مرور 40 عاماً على فوزه بالجائزة، وقد يعزى ذلك إلى خلفيته الدينية التي يعتز بها. ويسعى منتجو فيلم وثائقي جديد يتحدث عنه يدعى "أول فائز "بجائزة نوبل"، على شبكة "نتفليكس"، لإعادة عبد السلام وإنجازاته إلى دائرة الضوء. ويقول ذاكر ظافر، أحد منتجي الفيلم: "عبد السلام هو أول مسلم يفوز بجائزة نوبل للعلوم. وكان متمسكاً بجذوره وحريصاً على تحسين أوضاع شعبه، حتى إنه ارتدى العمامة البيضاء في استكهولم أثناء مراسم استلام الجائزة من ملك السويد. واستشهد بآيات قرآنية في خطاب قبول الجائزة".

وبالعودة الى التاريخ، ولد عبد السلام عام 1926، في مدينة جهانغ، التي كانت آنذاك جزءاً من الراج البريطاني، واعتقد والده، المدرّس، منذ البداية أنه رزق بعبد السلام بعد الرؤيا التي رآها أثناء صلاة الجمعة، ولهذا كان يفضله منذ صغره على إخوته، إذ كان يعفيه من الواجبات المنزليه، مثل حلب البقرة والتنظيف، حتى يتفرغ لشحذ مهاراته الرياضية الفذة. لكن عبد السلام لم يكن طفلا مرفّها، إذ لم ير المصباح الكهربائي إلا بعدما سافر إلى لاهور لدخول الجامعة الحكومية. وبعد أن حصل على الدكتوراه من كامبريدج، دفعه الحنين لوطنه إلى الانتقال إلى لاهور ليعمل أستاذاً في الرياضيات بالجامعة. وكان عبد السلام يحاول صياغة نظرية موحدة تساعد في تفسير فيزياء الجسيمات بما لا يتعارض مع معتقداته الدينية. وقال عبد السلام ذات مرة: "نحن علماء الفيزياء النظرية نحاول أن نفهم كل ما يحيط بالمادة الجامدة من تعقيدات باستخدام أقل المفاهيم الأساسية الممكنة". لكنه لم يقبل بعض النظريات العلمية التي اصطدمت بمعتقداته الدينية، مثل نظرية الانفجار العظيم.

في عام 1953، قرر عبد السلام أن يغادر باكستان، وعاد إلى كامبريدج لسنوات قليلة ثم انتقل إلى جامعة إمبريال كوليدج بلندن، حيث ساهم في تأسيس قسم الفيزياء النظرية. غير أن الرفض الذي تعرض له عبد السلام في بلده لم يثنه عن المشاركة في أبرز مشروعات باكستان العلمية. وفي عام 1961، أسس عبد السلام برنامج باكستان الفضائي، وفي مطلع السبعينيات من القرن العشرين، شارك في جهود باكستان لبناء سلاح نووي، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً. لكن مساهمات عبد السلام في مشروعات الدولة تراجعت، منذ اللحظة التي أصدر فيها رئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو قانوناً جديداً ضد أتباع الطائفة الأحمدية التي ينتمي اليها في عام 1974. وبعدها دأب عبد السلام على معارضة الأسلحة النووية على الملأ. وبعد خمس سنوات فقط من صدور قانون في باكستان يجرده من هويته الإسلامية، أصبح عبد السلام أول باكستاني يفوز بجائزة نوبل. وبينما كان عبد السلام في نظر العالم أول مسلم يفوز بجائزة نوبل في الفيزياء، إلا أنه في نظر بلده لم يكن مسلماً. ووصف عبد السلام على شاهد قبره في بلدة ربوة الباكستانية، بأنه أول مسلم يفوز بجائزة نوبل، إلى أن حذفت السلطات المحلية كلمة "مسلم". ويقول ظافر إنهم قرروا استخدام هذه المفارقة لتصبح عنواناً لفيلمهم الوثائقي، وكأنها آخر إساءة يتعرض لها أبرز أبناء هذا البلد.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.