قصة حروب مخدر الأفيون بين بريطانيا والصين!

جاد محيدلي | 18 تشرين الثاني 2019 | 14:00

اندلعت الكثير من الحروب لأسباب غريبة وصادمة، بعيدة من الأسباب السياسية والإقتصادية، ولعل أبرزها هي حروب الأفيون والتي هي عبارة عن حربين، قامتا بين الصين الامبراطورية المحكومة انذاك من سلالة تشينغ وبريطانيا. وفي الثانية، انضمت فرنسا إلى جانب بريطانيا. وكان السبب محاولة الصين الحد من زراعة مخدر الأفيون واستيراده، مما جعل بريطانيا تقف في وجهها بسبب الأرباح الكبيرة التي كانت تجنيها من تجارة مخدرات الأفيون في الصين. حصلت الحرب في عام 1839، وارتكبت فيها مجازر وحشية من البريطانيين وحلفائهم وعملوا على نشر تعاطي الأفيون بين الشعب الصيني، واستمر هذا الأمر مستشرياً في الصين حتى مطلع القرن العشرين وقضي على تعاطيه نهائياً في عهد ماو تسي تونغ القيادي الصيني الشيوعي.

أما عن الجذور التاريخية للحرب، فقامت بريطانيا في نهاية القرن الثامن عشر ميلادياً بفتح أبواب الصين أمام تجارتها العالميةـ فطلب الملك جورج الثالث من الامبراطور الصيني شيان لونج توسيع العلاقات التجارية بين البلدين. إلا أن الامبراطور رفض ذلك، ولم تستطع بريطانيا في ظل هذه الظروف تصدير الا القليل جداً من سلعها إلى الصين، وفي المقابل كان على التجار البريطانيين دفع قيمة مشترياتهم من الصين من الشاي والحرير والبورسلين نقداً بالفضة. هذا الأمر تسبب في استنزاف مواردهم منها، ولذلك لجأت بريطانيا إلى دفع إحدى شركاتها، وهي شركة الهند الشرقية البريطانية (East India Company) التي كانت تحتكر التجارة مع الصين، الى زرع الافيون في المناطق الوسطى والشمالية من الهند وتصديره الي الصين كوسيلة لدفع قيمة وارداتها للصين.

بعد ذلك لاقت تجارة الافيون رواجاً كبيراً وازداد حجم التبادل التجاري بين البلدين، وبدأت بشائر نجاح الخطة البريطانية في الظهور، إذ بدأ الشعب الصيني في إدمان الافيون وبدأ نزوح الفضة من الصين لدفع قيمة ذلك الافيون. وبدأت مشاكل الإدمان تظهر على الشعب الصيني مما دفع بالإمبراطور يونغ تشينغ (Yong Tcheng) في عام 1829 بإصدار أول مرسوم بتحريم استيراد المخدرات، غير أن شركة الهند الشرقية البريطانية لم تلتفت لهذا المنع واستمرت في تهريب الأفيون إلى الصين. تصاعدت حركة التهريب بصورة تدريجية حيث لم يُهرَّب إليها في عام 1829 سوى 200 صندوق تحوي 608 كيلوغرامات من الأفيون قدرت تكلفتها بخمسة عشر مليون دولار ثم وصلت المهربات بوقتها إلى 4000 صندوق تحتوي على 272 طناً.

قررت بريطانيا اعلان الحرب على الصين لفتح الأبواب من جديد امام تجارة الافيون، وبحث البريطانيون عن ذريعة لهذه الحرب فاستخدموا مبدأ "تطبيق مبدأ حرية التجارة" وأرسلت بريطانيا في عام 1840 سفنها وجنودها الي الصين لاجبارها على فتح أبوابها للتجارة بالقوة. استمرت حرب الافيون الأولى عامين من عام 1840 الى 1842 واستطاعت بريطانيا بعد مقاومة عنيفة من الصينيين احتلال مدينة "دينغ هاي" في مقاطعة شين جيانغ واقترب الاسطول البريطاني من البوابة البحرية لبيجينغ. ودفع ذلك الامبراطور الصيني للتفاوض مع بريطانيا وتوقيع اتفاقية، الا أنها لم تحقق ما كانت تريده بريطانيا، ولذلك قررت بريطانيا وفرنسا استخدام القوة مرة أخرى في حرب ثانية ضد الصين وتذرعوا بحجة أن السلطات الصينية قامت بتفتيش سفينة تحمل العلم البريطاني واعتقال بحاريها وانزال العلم وتم قتل مبشر فرنسي. استطاعت في الحرب القوات البريطانية والفرنسية الاتجاه نحو ميناء تيان القريب من بيجينغ، مما جعل الامبراطور يقبل مراجعة الاتفاقات وتوقيع اتفاقية أخرى في عام 1858، فرضت إقامة مبعوثين للدول الغربية في بيجينغ، وفتح العديد من الموانئ أمام الغربيين للإقامة والتجارة، والسماح بسفر الأجانب إلى داخل الصين، وحرية التبشير. وفي ملحق هذه الاتفاقية الذي تم إبرامه في أواخر ذلك العام تم تشريع استيراد الأفيون.

وعلى أثر ذلك انسحبت القوات البريطانية من تيانجين، وحاول دبلوماسيون بريطانيون وفرنسيون التوجه إلى بيجينغ عبر تيانجين للتصديق على المعاهدة لكن السلطات الصينية رفضت السماح لهم بالمرور وعرضت طريقاً آخر إليها، فحاولت القوات البريطانية والفرنسية فتح الطريق بالقوة فأنزل بها الصينيون خسائر كبيرة. وعلى أثر ذلك شنت القوات البريطانية والفرنسية هجوما كبيراً في 1860 فسحقت القوات الصينية وفي تشرين أول استولى البريطانيون والفرنسيون على بيجينغ وأحرقوا القصر الصيفي للإمبراطور وفي أواخر ذلك الشهر وقعت الصين معاهدة بيجينغ التي أقرت فيها اتفاقية تيانجين وسلمت للبريطانيين جنوب شبه جزيرة كولون ليتم إلحاق هذه المنطقة بهونغ كونغ. ظلت هونغ كونغ تحت السيطرة البريطانية حتى أعيدت إلى الصين منذ 30 سنة فقط.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.