قصة اكتشاف غاز السارين المرعب عن طريق الصدفة!

جاد محيدلي | 15 كانون الأول 2019 | 18:00

غاز السارين هو عبارة عن مجموعة مواد كيميائية تُعرف بالفوسفات العضوية، ويُعرف أيضاً باسم غاز (GB)، وغاز الأعصاب، لأنّه يدمر الجهاز العصبي بشكل كامل. تُعتبر فترة صلاحيته قصيرة جداًً مقارنة مع المركّبات الصناعية الأخرى، فتختلف صلاحيته باختلاف المواد المستخدمة في تصنيعه، وهو يتكوّن من خليط من أربعة عناصر كيمياوية هي: دميثيل مثيلفوسفات، وفوسفوروس تركلوريد، وفلوريد صوديوم، والكحول. ويعدّ من غازات الأعصاب الصناعية التي تم استخدامها في الحرب العالمية الثانية، وللأسف، لا تزال تُستخدم أحياناً في بعض الدول أثناء الحروب، على الرغم من أنها مُحرّمة وممنوعة عالمياً. هو من الغازات الطيّارة التي تنتشر في الهواء ويتحول إلى سائل في درجة حرارة الغرفة، ويُعتبر عديم اللون والطعم والرائحة، يتأثر به الأشخاص عند ملامستهم له أو عند استنشاقه، فيمكن أن يُنثر في الهواء على شكل رذاذ أو بخار ويلوّث بذلك أيضاً المنتجات الزراعية، أو يوضع في الماء والطعام فيلوثهما، ويحدث أثره بشكل مباشر لهم، فهو يعمل على تدمير أنزيم الناقل العصبي الذي يعرف بإستيل كولين، ويستخدم كسلاح في الحرب الكيميائية. لكن هل تعرفون من اخترعه أو كيف تم تصنيعه؟

مخترع هذا الغاز هو الدكتور جيرهارد شريدر، الكيميائي الألماني، الذي كان يأمل أن يكتشف مبيد للآفات يجعله يحرز تقدماً في مكافحة الجوع بالعالم، فقد كان الدكتور شريدر متخصصاً باكتشاف مبيدات حشرية جديدة، ولكن بدلاً من ذلك اكتشف عن طريق الصدفة مادة أخرى تسببت له في شهرة كبيرة ولكنها سيئة.  وُلد الكيميائي الألماني في 25 شباط 1903، في Bortfeld، بالقرب من Wendeburg، في ألمانيا. درس الكيمياء في جامعة براونشفايج للتكنولوجيا، وعمل لاحقاً في شركتي Bayer وIG Farben. اكتشف شريدر العديد من المبيدات الحشرية الفعالة للغاية، وقد كان من ضمن تجاربه تجربة مجموعة من المركبات تسمى الفوسفات العضوية، والتي قتلت الحشرات عن طريق مقاطعة وعرقلة أنظمتها العصبية، لتحدث نقطة التحول. فبدلاً من اكتشاف مبيد حشري جديد اكتشف مركّبات شديدة السُّمية والخطورة، استُخدمت في الحروب والنزاعات لاحقاً.

عندما كان الدكتور جيرهارد شريدر في عمر الـ33، وتحديداً في 23 كانون الأول 1936، قام بتصنيع التابون، واكتشف أيضاً السارين والسومان والسيكلوسارين، وكلها مركّبات فوسفات عضوية أصبحت تُستخدم كأسلحة كيميائية. خزَّن النازيون هذه الغازات شديدة السُّمية، لا سيما التابون، خلال الحرب العالمية الثانية، ولكن لم تُستخدم ضد الحلفاء. بعد الحرب، حاولت المخابرات البريطانية تجنيد شريدر لتطوير أسلحة كيميائية في المملكة المتحدة، وهو العرض الذي رفضه شريدر وفضَّل البقاء في ألمانيا والعمل لدى شركة باير، وهي شركة ألمانية تختص بصناعة الدواء والصناعات الكيميائية. كان شريدر يهدف من خلال عمله إلى تقديم المساعدة في تحسين التغذية، وليس في إلحاق جروح جديدة وأضرار أخرى تعانيها البشرية.

وكما يحدث في كثير من الأحيان بالبحوث العلمية، تم اكتشاف عوامل الأعصاب عن طريق الخطأ. وحدث هذا الخطأ غير المقصود عندما تم تكليف جيرهارد شريدر، الكيميائي في مجموعة IG Farben الكيميائية، بتطوير مبيدات حشرية جديدة. وكان الهدف من التكليف هو تقليل اعتماد ألمانيا على الأغذية المستوردة من الخارج، وللقيام بذلك، كان البلد بحاجة لمنع الآفات الحشرية من استنفاد إمداداتها الغذائية. بعد عدة محاولات، فشل شريدر في إنتاج مبيدات آفات قائمة على الفلور والكبريت، فبدأ الكيميائي الشاب بتجربة الجزيئات التي جمعت بين الفوسفور والسيانيد. أنتج الخليط مادةً شديدةً السُّمية حتى في التجارب المبدئية، إلى درجة أن التعرض لكميات ضئيلة جعل شريدر نفسه يذهب إلى المستشفى عدة أسابيع. ثم في 23 كانون الأول 1936، بنى شريدر مركّباً شديد الخطورة، دمرت المحاليل المخففة منه الآفات الغذائية للحشرات، وتسببت أيضاً في القيء وضيق التنفس وتوسُّع حدقة العين وإفراز اللعاب والتعرق والإسهال والموت في القرود والثدييات الأخرى. لكن في المجمل فشل شريدر، لأن المبيدات يجب أن تقتل الآفات بشكل انتقائي، وليس مجموعة واسعة من الحيوانات أيضاً، بالإضافة إلى الآفات. ولكن بعد فوات الأوان، تم خلق غاز السارين المرعب الذي قتل الكثير من البشر.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.