قصّة المصنع الذي بُني على شكل مسجد في ألمانيا

جاد محيدلي | 18 كانون الأول 2019 | 12:13

في مدينة دريسدن، عاصمة ولاية ساكسونيا الألمانية، يظهر مشهد كأنه مأخوذ في دولة إسلامية، إذ توجد فيه قبة مسجد ومنارات وسط مبانٍ بُنيت على طراز العمارة الباروكية. هناك مبنى شكله الخارجي يشبه المسجد تماماً، وتعود قصته إلى عام 1886، عندما أسس رائد الأعمال اليهودي هوغو تزيتز شركة "أورينتال توباكو آند سيغاريت فاكتوري ينيدتزه" لصناعة السجائر، في دريسدن. ويعود اسم ينيدتزه، وهو تركي، إلى بلدة منتمية إلى الخلافة العثمانية حينها، كان يتم استيراد التبغ منها إلى ألمانيا، ليصنع تزيتز السجائر منه، وباتت حالياً جزءاً من اليونان. وكلف تزيتز المعماري مارتين هاميتسش بناء معمل ذي مواصفات خاصة، إذ كانت السلطات في دريسدن تمنع بناء معمل يمكن التعرف إليه على أنه معمل، في وسط المدينة حينها. لذا أتى تزيتز بفكرة تصميم المعمل على شكل مسجد، وبذلك لن يصبح مطابقاً لشروط السلطات، بل سيستغله كنصب إعلاني مميز لعلامة السجائر الشرقية خاصته.

انتهت أعمال البناء وافتُتح المعمل في عام 1909، على هيئة مسجد بالفعل، وهكذا بات اسمه الشائع "مسجد التبغ". لكن لم يقابَل التصميم المعماري هذا بالترحيب، بل باعتراض شديد، حتى إن المهندس المعماري هاميتسش استُبعد من غرفة المهندسين المعماريين. لكن رغم كل هذا العداء، فقد حقق هدفه الدعائي، حيث بات على كل لسان، وموقعه المثالي أسهم كذلك في نجاحه، لقربه من سكة الحديد الرئيسية برلين-براغ، ما جعل المسافرين المارين في القطار يربطون شارة العلامة التجارية للسجائر "السلام عليكم" الموجودة حينها على المبنى، بصورة المسجد الموجود وسط ساكسونيا. وكانت أنواع التبغ تحمل أسماء عربية كـ«خليفة بغداد»، و «سلام» و «سلام غولد»، بحسب ما يرويه مدير سابق للمبنى لوسائل إعلامية ألمانية. وبيع المصنع بعد 15 عاماً إلى مجموعة «ريمتسما» التجارية، التي بقيت تديره حتى عام 1953.

وكانت عمليات تخزين السجائر وصناعتها تمتد على 5 طبقات في المبنى سابقاً. وألحقت الحرب العالمية الثانية بالمبنى أضراراً بالغة، لكن القبة نجت من القصف. وبقي المعمل يواصل إنتاج السجائر حتى تسعينيات القرن الماضي. وبعد ترميمه عام 1996، تحوَّل المبنى التاريخي إلى مبنى مكاتب (عددها 30)، وبات مقراً لعديد من المنظمات والشركات التي تتخذ دريسدن مقراً لها. وتحت قبة مسجد التبغ، يوجد "مطعم القبة/كوبل ريستورانت" الذي يتميز بوجبات الطعام التقليدية في ساكسونيا إلى جانب الطعام العالمي. وتتضمن الفعاليات التي تنظَّم هناك أيضاً، عروضاً موسيقية حية، وفنون أداء كالرقص والتمثيل، ونقاشات وقراءة حكايا ذات خلفية شرقية غالباً. كما أن أنور بويوك أرسلان هو المالك الجديد للبناء منذ عام 2014، وهو رجل أعمال في مجال العقارات من أصول تركية يقيم بألمانيا منذ ثمانينيات القرن الماضي.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.