ما هي سفينة "إل بالبانيرا" التي لا تقلّ كارثيّة عن سفينة التايتنيك؟

جاد محيدلي | 5 كانون الثاني 2020 | 20:00

كلنا نعرف سفينة التايتنيك الشهيرة، فإن لم نقرأ عنها، بالتأكيد شاهدنا الفيلم الرومانسي الذي يتحدث عنها، والذي يعتبر من أشهر الأفلام العالمية عبر التاريخ. لكن هل سمعتم من قبل بسفينة "إل بالبانيرا" الإسبانية؟ على الأرجح لا، بالرغم من أنه حصلت فيها كوارث لا تقل أهمية عن كارثة التيتانيك.

في أعقاب الحرب العالمية الأولى، انتشر في أوروبا والعالم بين عامي 1918 و1920 فيروس الإنفلونزا مخلّفاً وراءه ملايين الضحايا، إذ تشير التقديرات إلى وفاة واحد من بين كل خمسة مصابين نتيجة الإصابة. وعلى الرغم من أن هذا الوباء قد عُرف في التاريخ باسم الإنفلونزا الإسبانية، لكن الحقيقة هي أنه بدأ في فورت رايلي بولاية كنساس الأميركية. لكن ارتبط اسم هذا الوباء بإسبانيا بسبب الاهتمام الخاص الذي كرّسته الصحافة الإسبانية للوباء. وكانت إل بالبانيرا سفينة بخارية، تزن حوالي 12500 طن، وطولها أكثر من 120 متراً. لم تكن عابرة محيطات، ولم تكن باخرة مُعدَّة للإبحار لمسافات طويلة، بل كانت مجرد باخرة تجمع بين البضائع والركاب. كانت تلك الباخرة واحدة من وسائل النقل الرئيسية التي يستخدمها المهاجرون للسفر بين إسبانيا وجزر الأنتيل في البحر الكاريبي، وكانت تغادر من برشلونة، واتخذت مساراً منتظماً يربطها بميناءي سانتياغو دي كوبا وهافانا، ما كان يجعلها تتوقف موقّتاً في ملقة وقادس وموانئ جزر الكناري وفي بورتوريكو.

كان بإمكان الركاب الاختيار بين تذاكر الدرجة الأولى والثانية والثالثة أو تذاكر المهاجرين، وهؤلاء لم تكن لهم مقصورات أثناء السفر. حتى نتمكن من فهم الفرق، يكفي ذكر حقيقة واحدة؛ كان ثمن مقصورة الدرجة الأولى 1250 بيزيتا (عملة إسبانيا السابقة)، بينما كان المهاجرون يدفعون 75 بيزيتا فقط. كانت ظروف النظافة الصحية بالنسبة للمهاجرين مريعة، وكانت الحياة على سطح السفينة شنيعة، إذ كانوا مُعرَّضين لسوء الأحوال الجوية للطقس. أما المراحيض فلا حاجة لوصفها. في تمّوز 1919 -خلال ذروة انتشار وباء الأنفلونزا- صعد 1600 مسافر من ميناء هافانا، على الرغم من أن إل بالبانيرا كانت مخصصة لـ 1200 مسافر فقط. اضطر العديد منهم إلى البقاء على سطح السفينة لمدة أسبوعين، ما جعلهم يعانون من قسوة الطقس ونقص الغذاء. أدت هذه العوامل، إلى جانب الاكتظاظ وانعدام النظافة، إلى انتشار وباء الإنفلونزا المروِّع على متن السفينة، وأصيب كثيرون، لكن مات منهم ثلاثون راكباً فقط. ولتجنب ما هو أسوأ، اختار القبطان والطبيب رمي الجثث في البحر. تصاعد الغضب بين الركاب إلى درجة أنهم حاولوا قتل القبطان. لكن أخيراً، تمكنت السفينة من الوصول إلى لاس بالماس حيث طُرد القبطان وحوكم مع الطبيب. وتولى رامون مارتن كورديرو (34 عاماً)، مهمة قيادة السفينة إلى وجهتها.

في العاشر من آب 1919، غادرت إل بالبانيرا ميناء برشلونة مرة أخرى إلى جزر الأنتيل، وبعد التوقف في جزر الكناري، كان على متنها 1142 مسافراً و88 من أفراد الطاقم. وفي الخامس من أيلول، وصلت إلى مدينة سانتياغو دي كوبا، بعد رحلة طويلة خيّم عليها الهدوء. على الرغم من أن معظم الركاب كانوا يحملون تذكرة سفر إلى هافانا، قرر 742 راكباً النزول في سانتياغو دون سبب واضح. في ذلك الوقت كان هناك إعصار وشيك، لكن القبطان الشاب كان يأمل في الوصول في الوقت المناسب إلى العاصمة الكوبية لتجنب هذا الإعصار. لكن لم تكن حساباته دقيقة، ففي العاشر من أيلول، ضرب إعصار مداري وصلت رياحه إلى 240 كم/ساعة، حال دون وصول السفينة بسلام كما كان يأمل، ما تسبب في غرقها ومقتل 488 شخصاً. لكن لم تشتهر هذه القصة عالمياً لأنه وببساطة لم يُصنع فيلم عنها.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.