قصة مهاجر رُفض طلب لجوئه فنام في حافلات لندن 21 سنة!

جاد محيدلي | 14 كانون الثاني 2020 | 21:00

نشرت BBC تقريراً عن قصة حياة رجل تمت تسميته "صني" (إسم غير حقيقي) رفضت السلطات في بريطانيا طلب لجوئه قبل 20 عاماً، فلم يجد ملاذاً آمناً إلا على متن حافلات تجوب ليلاً شوارع العاصمة لندن، وذلك كجزء من مشروع وثائقي بالتصوير الفوتوغرافي. وبحسب التقرير، ففي كل ليلة، كان ينتظر صني قدوم الحافلة التي أصبح صديقاً لسائقها، ويصعد اليها ويجلس في الصف الأخير من مقاعد الطابق السفلي. يحتضن حقيبته، قبل أن يشعر باسترخاء يديه المتجعدتين، فيغلق عينيه وينام. يقول صني إنه يتذكر دائماً نفسه حين كان صغيراً يركع مصلياً بين جدران خرسانية داخل سجن نيجيري، في انتظار تنفيذ حكم الإعدام، وجريمته هي النضال من أجل الديمقراطية. وذات يوم دخل أحد الحراس بعنف إلى الزنزانة ودفعه إلى السير عبر ممرات يسودها الصمت، ليخرج به حيث كان ضوء الشمس يعمي العيون، تنتظره سيارة. فاستطاع أقارب صني وأصدقاؤه شراء حريته، بعد أن دفعوا رشوة للجميع، من مسؤولي السجن إلى مضيفة الطيران على متن طائرة متجهة إلى لندن. في كل يوم، يستيقظ على صوت الشبان المخمورين العائدين من النوادي الليلة، ويحاول صني أن يتذكر آخر مرة شعر فيها بالسعادة مثل هؤلاء. ويقول إنه ربما كان ذلك عندما كان طلب اللجوء الخاص به لا يزال قيد المراجعة، إذ شعر وقتها بامتنان للحصول على فرصة ثانية في الحياة. في حينها كان قد حصل على دورة تدريبية في صناعة الأفلام الوثائقية، واختار تناول موضوع يركز على حياة المشردين في لندن، ولم يكن يتصور على الإطلاق أنه قريباً سيكون من بينهم.

الا أن السلطات البريطانية رفضت طلب لجوئه، ووضعه هذا الأمر أمام خيارين، إما العودة إلى الوطن الذي تحكمه قبضة حديدية لحاكم عسكري، وتنفيذ حكم الإعدام به أخيراً، أو الاختباء. وهكذا ظل صني 21 عاماً يتنقل على متن حافلات لندن، التي أدرك سريعاً أنها أكثر أماناً ودفئاً من الشوارع. كانت كاهنة في إحدى الكنائس أول من اشترت له بطاقة شهرية لدفع أجرة المواصلات مقدماً، ودأبت على فعل ذلك شهرياً، على أن يتولى بعض الأصدقاء هذا الأمر حين تغيب. وهو كان في المقابل يتطوع للعمل لدى الكنائس نهاراً، وعندما كان ينتهي من عمله، كان يذهب غالباً إلى مكتبة ويستمنستر لمتابعة الأخبار أو استكمال قراءة كتاب. ويقول إنه كان يطلب من مديري المطاعم تقديم بعض الطعام له، وإنه نادرا ما كان يُرفض طلبه. اكتشف صني أن أفضل الحافلات للاستمتاع ببعض الراحة هي الحافلة رقم 29 التي تنتطلق من ميدان ترافلغار إلى ضاحية لوود غرين الشمالية. لكن الحافلة رقم 25، التي تعمل 24 ساعة، توفر له أطول فترة نوم دون انقطاع، وأثناء الحركة المرورية، تستغرق الرحلة ساعتين للوصول من وسط لندن إلى إلفورد، في إسيكس، وهناك إن حالفه الحظ، قد يشعر السائق بشفقة عليه ويتركه نائماً على متن الحافلة في نهاية الخط.

أدرك صني أن الطابق السفلي للحافلة يناسب أكثر مَن يريدون بعض الهدوء، والعائلات وكبار السن، وأنه نادرا ما تحدث مشكلة بالقرب من السائق، وكانت المقاعد الخلفية مثالية، ليس لراحة الرأس فحسب، بل لراحة البال، على الرغم من أن النوم لساعتين طوال ليلة كاملة كان بمثابة إنجاز. وعندما يحل الفجر، أو عندما يشعر بالجوع، أيهما أولا، كان يتوجه إلى مطعم لمكادونالدز، لم يكن يستجدي شيئاً على الإطلاق، بل كان العاملون في فرع المطعم الكائن في ليستر سكوير يعطونه الطعام ويسمحون له بالحلاقة في الحمامات، وأحياناً كان يصادف زبائن لطفاء أيضاً يقومون بمساعدته. استطاع صني خلال بعض احتفالات عيد الميلاد أن يكسر روتينه، وجرب الملاجئ الليلية في فصل الشتاء التي تتيحها الكنائس. لكنه أدرك أن الأفضل بالنسبة له أن ينام في الحافلة بدلاً من النوم على الأرض في غرف مزدحمة. يذكر أنه لا يلوم صني الحكومة البريطانية على ورطته، فلو لم تكن بلاده سيئة للغاية، لما كان هنا بطبيعة الحال. وبحسب التقرير، فأخيراً استطاع فريق محاماة يتبع كنيسة نوتردام دو فرانس، قبالة ليستر سكوير، تقديم طلب بالنيابة عنه للحصول على تصريح بالإقامة، وطلب صني من سائقي الحافلات أن يكتبوا له خطاب دعم، والتزم أحدهم، وأكد للدولة أن صني كان "من الركاب المنتظمين طوال الليل"، كما قدمت الكنائس التي تطوع صني للعمل بها على مر سنوات خطابات دعم، واستخرجت صوراً قديمة تسجل حضوره في المناسبات الخيرية. وأخيراً، حصل عام 2017، في سن 55 عاماً، على تصريح بالإقامة في بريطانيا، وأصبح لديه حق المأوى والعمل والوجود، ويشعر بامتنان لذلك.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.