قصة البلدة الصغيرة التي اخترعت العملة النقدية الأقوى في العالم!

جاد محيدلي | 15 كانون الثاني 2020 | 10:13

يشكل الدولار الأميركي العملة الأكثر انتشاراً في العالم، لكن ورغم هذا الانتشار الواسع، فإن هناك بعض الدول والمناطق التي لا يُسمح فيها بالتعامل بالدولار، مثل بلدة تشيكية تحمل اسم ياخيموف، على الرغم من أنها تشكل "مسقط رأس" هذه العملة قبل 500 عام، وتحديداً في كانون الثاني من عام 1520. تلك البلدة الهادئة الواقعة قرب الحدود التشيكية الألمانية، والتي لا يزيد عدد سكانها على 2700 نسمة، تعد مسقطاً لرأس الدولار ومكاناً لا توجد فيه هذه العملة فعلياً في الوقت ذاته. من المحتمل ألا تكون قد سمعت عن هذه البقعة من العالم من الأصل، أو عَلِمت أنها تشكل أحد أحدث المواقع التي أُدْرِجَت على قائمة منظمة اليونسكو للتراث العالمي. واللافت أن لا شيء هناك يبدو مرتبطاً بالدولار، لا المباني العتيقة المُشيدة على طراز عصر النهضة أو الطراز القوطي، ولا القلعة التي تعود للقرن السادس عشر، ولا العدد الكبير من المنتجعات الموجودة في الوادي الواقع في ياخيموف.

وقد بدأت قصة البلدة مع التعدين حتى قبل نشأتها بشكلها الحديث، وذلك بفعل اكتشاف كميات كبيرة من الفضة في أراضيها عام 1516. وقتذاك أطلق شخص يُدعى الكونت هيرونيموس شليك، على المنطقة اسم يواخيمستال، وهي كلمة تعني بالإنجليزية "وادي يواخيم"، وذلك على اسم يواقيم، والد السيدة مريم العذراء وجد السيد المسيح، الذي يعتبره عمال المناجم في المنطقة القديس الراعي لهم. في تلك الفترة كانت أوروبا تتألف  من عدد مما يُعرف بـ"الدول المدينة" التي يقودها "حكام محليون يتنافسون على السلطة". وفي ظل عدم وجود عملة نقدية موحدة يجري التعامل بها في المناطق التي يسيطر عليها هؤلاء الحكام، كان سك أحدهم عملة خاصة به، يشكل أحد أكثر الطرق فاعلية، التي يمكن له من خلالها تأكيد سيطرته، وذلك ما فعله شليك.

وفي التاسع من كانون الثاني 1520، منح المجلس التشريعي لمنطقة بوهيميا شليك تصريحاً رسمياً بسك عملات فضية خاصة به. في البداية، سمى الرجل عملته الجديدة اسم "يواخيم ستالارس"، وقرر أن يُوضع على أحد وجهيها صورة يواقيم، مع وضع صورة أسد من أسود بوهيميا على الوجه الآخر. لكن سرعان ما اخْتُصِرَ الاسم إلى "تالار". وفي عصر كان المُحدد الوحيد فيه لقيمة أي عملة، يتمثل في كمية المعدن التي تحتوي عليها، قام شليك بجعل وزنها وقُطرها مماثليْن لوزن وقطر عملة فضية كانت تُستخدم وقتذاك في غالبية أنحاء أوروبا الوسطى، وهو ما جعل قبول الممالك الأخرى المجاورة لتداول الـ "تالار" في أراضيها أكثر سهولة. الأهم من ذلك، أنه سك من عملته هذه، عدداً أكبر مما كان العالم قد شهده من أي عملة أخرى في ذلك الوقت. وخلال أقل من 10 سنوات، تحولت يواخيمستال من قرية صغيرة يقطنها نحو 1050 شخصاً إلى أكبر مركز للتعدين في أوروبا الوسطى، وأصبحت بقعة صاخبة بالحركة، يصل عدد سكانها إلى 18 ألف نسمة وتضم ألف منجم للفضة، يعمل فيها 8000 شخص. ولم يكد منتصف القرن السادس عشر يحل، حتى كان عدد عملات الـ "تالار" - التي انتشرت في مختلف أنحاء أوروبا بعدما تم سكها من الفضة المستخرجة من مناجم هذه البلدة - قد ناهز ما يُقدر بـ 12 مليون عملة. لنحو 300 عام مقبلة، صممت الكثير من الدول في مختلف أنحاء العالم عملاتها على غرار الـ"تالار".

لم يكتف الملوك والحكام بتصميم عملاتهم الخاصة، على غرار تصميم الـ "تالار"، بل اختاروا أن تكون أسماءها أيضا عبارة عن ترجمة لاسم هذه العملة باللغات السائدة في ممالكهم. وهكذا تحول الـ "تالار" في الدنمارك والنرويج والسويد إلى الـ "دالير"، وأصبح الـ "دالِر" في أيسلندا، وفي إيطاليا الـ "داللرو"، وفي بولندا الـ "دالار"، وفي اليونان الـ"تاليرو"، وأخيرا الـ"تالير" في المجر. ففي القرن السابع عشر، وبعد وصول أولى موجات الهجرة القادمة من هولندا إلى مستعمرة هولندية في أميركا انتشرت عملة الـ "دالار". وبدأ المستوطنون الناطقون بالإنجليزية، في إطلاق اسم دولار على هذه العملة، وكل العملات الفضية الأخرى ذات الوزن نفسه. وفي عام 1792، أصبح الدولار عملة رسمية للولايات المتحدة، وهو ما لا يزال قائماً حتى الآن، لا بل أصبح أقوى عملة على الأرض.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.