تعرفوا على قصة بوكاهانتس الحقيقية!

جاد محيدلي | 11 أيلول 2018 | 18:00

كلنا شاهدنا في طفولتنا فيلماً أو قرأنا قصة تروي حياة "بوكاهانتس"، لكن هل كنتم تعلمون بأن هذه الشخصية حقيقية ولكن قصتها مختلفة تماماً عن الرسوم المتحركة؟ بداية، لم يكن اسمها الحقيقي هو بوكاهانتس، بل كان أمونوت، وهي ولدت في سنة 1596 وكان يطلق عليها كذلك اسم ماتواكا. أما إسم بوكاهانتس الذي اشتهرت به، فقد كان مجرد كنية معناها "الفتاة اللعوب" أو "الفتاة المثيرة للمتاعب". ومن إسمها تتضح لنا قصتها. كانت الإبنة المفضلة لـ"بوهاتان" الحاكم الموقر لأكثر من 30 قبيلة ناطقة بلغة الـ"ألغونكيان" التي كانت تقطن المنطقة التي استقر فيها أول الوافدين الإنجليز من أوروبا وأطلقوا عليها اسم "فيرجينيا". وبعد 400 سنة على وفاتها، تم إيضاح قصتها الحقيقية، حيث عرضت مجموعة من المؤلفين والمؤرخين والباحثين وممثلين عن عشيرة الـبامونكي في فيرجينيا، وهم أحفاد (وكاهانتس، شهادة قوية ومبنية على أسس علمية صحيحة من أجل رسم صورة الفتاة الحقيقية التي كبرت لتصبح قائدة شجاعة وذكية، لعبت دور السفير ونصرت شعبها واقفة في وجه القوة الاستعمارية الأوروبية.

الكاتبة كاميلا تاونساند التي ألّفت كتاب "بوكاهانتس الموثوقة ومعضلة بوهاتان"، وبروفيسورة التاريخ في جامعة "روتجرز"، روت لماذا من الضروري جداً فهم إرثها الحقيقي في زمننا الحاضر، فتقول: "لقد كنت بروفيسورة متخصصة في تاريخ الشعوب الأميركية الأصلية للكثير من السنوات، وكنت أعمل على مشروع أقارن فيه بين العلاقات الأولى التي جمعت المستعمرين الأوروبيين والهنود في أميركا الإسبانية وأميركا الإنجليزية عند قدومهم لأول مرة"، وتضيف: "اكتشفت أن معظم ما قيل عن حياتها لم يكن سوى هراء وكذب". يشار الى أنه تعرف قصة تظهر بوكاهانتس على أنها أدارت ظهرها لقبيلتها وتحالفت مع المستعمرين الأوروبيين، ثم لعبت دور الوسيط بين هاتين الثقافتين المختلفتين، وصمدت هذه القصة البعيدة عن الصحة على مدى قرون عديدة، لكن الكثير من الباحثين والمؤرخين الذين أتوا في عصور لاحقة اكتشفوا أن حياة بوكاهانتس في الحقيقة كانت مختلفة تمام الاختلاف عما نعرفه، فحتى كونها ساهمت في إنقاذ مستعمر يدعى جون سميث من الإعدام بينما كان عمرها يتراوح بين 11 إلى 12 سنة يبقى مشكوكاً في صحته، فإما يكون سميث قد أساء فهم ما كان يجري على أنه شعيرة دينية أو نوع من المراسم، أو قد يكون اختلق القصة من أساسها.

تشير كاميلا تاونسان في كتابها إلى أن المعلومات المغلوطة حول قصة بوكاهانتس الحقيقية لا تقتصر فقط على أفلام الكرتون التي تعرضها عنها "ديزني"، بل أن المغالطات لها جذور تاريخية قديمة قِدم القصة نفسها، تمتد إلى غاية جون سميث الذي أعطى العلاقة التي جمعته بها صفة "قصة الحب المجنونة"، ثم ساهمت في ذلك العديد من العوامل في صمود هذه المعلومة الخاطئة واستمرارها على مر التاريخ، فكان جون سميث هو نفسه من روّج لها خلال الحقبة الاستعمارية، ثم راحت طي النسيان لفترة، ثم عاودت أسطورة أن بوكاهانتس كانت متيمة به الظهور بعد الثورة في أوائل القرن التاسع عشر عندما كان الناس آنذاك في بحث عن قصص القومية والوطنية، ومنذ ذلك الحين بقيت هذه الأسطورة حية بشكل أو بآخر إلى أن وصلت إلى عالم ديزني.

وتضيف تاونساند: "أعتقد أن السببب في كون هذه الأسطورة والقصة المغلوطة حول بوكاهانتس وجون سميث ذات شعبية كبيرة جداً هو أنها كانت تمثل مصدر إطراء كبير بالنسبة لثقافة البيض، وكانت الفكرة والانطباع الذي يكونه هؤلاء عنها هو أن هذه فتاة هندية صالحة تحب الرجال البيض، وتحب ثقافتهم، وترغب في أن تعيش في سلام مع هؤلاء الناس، وأنها تفضل العيش معهم بدلاً من العيش مع أبناء شعبها، وأنها تفضل كذلك الزواج من رجل أبيض بدلاً من الزواج من واحد من أبناء شعبها وتبعث هذه الفكرة في نفوس أبناء ثقافة البيض الأميركية شعوراً جيداً حيال تاريخهم، وتجعلهم يعتقدون بأنهم لم يكونوا يقترفون أي فعل خاطئ بحق الهنود".

كما تقول تاونساند أن قصة بوكاهانتس الحقيقية تتمحور حول قوتها الخارقة للعادة التي جابهت بها أعتى الظروف المستحيلة التي واجهتها وخاصة أثناء الإستعمار، فشعبها لم يكن تعرض لهزيمة من القوة الأوروبية التي كانت في عصر النهضة آنذاك، والتي كانت متمثلة في جون سميث والمستعمرين الأوائل الذين سافروا إلى هناك، لولا تيسرت لهم وسائل تقنية أقوى وأكثر تقدما وسطوة من تلك لدى الهنود. باختصار كل شيء ساعد الأوروبيين أن يسافروا إلى العالم الجديد ويغزوه، بينما كل شيء كان معدوماً عند الأميركيين الأصليين الذين وقفوا عاجزين على التقدم باتجاه العالم القديم وغزوه. وبوكاهنتيس لم تساهم في إنتصار المستعمرين ولا وقفت في صفهم كما روّج المؤرخون، بل كل ما أشيع عن أنها أصبحت في صف المستعمرين ثم تزوجت من انجليزي هو عار عن الصحة، بل كانت شجاعة وتمتلك ذكاء حاداً، ودهاء استراتيجي كبير جداً.

وتختم تاونساند قائلة: "هناك الكثير والكثير من المزيد لنتعلمه عن بوكاهانتس خاصة فيما يتعلق بالجانب السياسي، حيث أن ذلك سيساعد كثيراً السياسات الحالية وينقلها نقلة إيجابية إذا فهم المزيد من الناس ما كانت الشعوب الأصلية تعانيه حقا خلال زمن تعرضها للاستعمار والغزو والأزمنة اللاحقة لذلك، فهم مروا خلاله من معاناة وألم ومآسي ومحن، وهذا ما عانته بوكاهانتس" وعائلتها". 










إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.