كيف تغلبت شابة فلسطينية على ألم فقدان زوجها؟

جاد محيدلي | 14 كانون الأول 2018 | 18:00

"أعثر على هدف أكبر من ألمك"، مقولة استشهدت بها الشابة الفلسطينية دينا مصفر واصفةً حكايتها مع الفقدان والحزن والألم؛ فزوجها لم يكن شريك حياتها فحسب، بل كان صديق الطفولة وشريك العمل لثلاثة عشر عاماً. وجدت دينا، ذات الثلاثين عاما، في الرسم وسيلة لتجاوز ألم الحداد ليتحول الفن بعد ذلك إلى مشروع يشكل مصدر دخلها في الولايات المتحدة الأميركية التي هاجرت لها بعد وفاة زوجها وسيم. منذ سني الطفولة الأولى أدركت دينا حبها للرسم، فكانت تستخدم أقلام الرصاص لترسم ما يعبر عن أفكارها، وتستعيض عن الكلام بالرسم. تقول دينا: "كنت انطوائية، حتى في البيت كنت أتجنب الكلام وأجاوب عن أسئلة عائلتي باللوحات".

تحب دينا رسم وجوه الناس باعتبارها انعكاساً لمشاعرهم: "وجوه الناس تعبر عن أشياء كثيرة، يمكن قراءة إحساسهم من خلال وجوههم، ومرات الوجه ما بيسمحلك تقرئي أي شي داخل الشخص وبخليكي تحتاري". لم تسنح الظروف أن تدرس دينا الفنون بشكل احترافي، وطوال سنوات المدرسة والجامعة والعمل توقفت عن الرسم تماماً لنحو عشرة أعوام. بدلاً من الرسم، درست دينا إدارة الأعمال، وبعد تخرجها أسست محال تجارية لأزياء النساء والرجال برفقة زوجها الراحل. وبين الحين والآخر كان يراودها حب الرسم فتستغل بعض أوقات الفراغ لتشاهد فيديوات تعليمية على الإنترنت.

تقول دينا: عام 2015، رحل وسيم، وبوفاته فُتح باب الأسئلة. وتضيف: "لمّا توفي وسيم، كانت صدمة وصرت أفكر أنا مين؟ صار لي سنين مع هذا الشخص وصار لي سنين بعرفه، هو كوّن حياتي وكوّن أفكاري وكل يوم معي". مع حالة الفقدان المفاجئ سيطر الاكتئاب والقلق على دينا وتكوّنت لديها مخاوف من المستقبل. لم تعد ترغب بالبقاء في مدينة رام الله التي جمعتها بوسيم، وأرادت أن تكون بجانب والدتها المقيمة في الولايات المتحدة الأميركية، فانطلقت باحثةً عن بداية جديدة علّها تساعدها على إجابة الأسئلة التي ولّدها رحيل زوجها. تقول دينا: "اكتشفت أن الشيء الوحيد الذي يمكن يخليني أقدر أفيق كل يوم الصبح وأرجع أتعامل مع الحياة هو إنه ألاقي هدف لشيء بحبه... كل هذا دفعني أجرب دروس الرسم".

بعد فترة وجيزة، التحقت دينا بحصص للرسم الزيتي وعمل ذلك على مساعدتها إلى حدٍ ما على التأقلم مع حياتها الجديدة في الولايات المتحدة. لكنها في ذلك الوقت كانت لا تزال تتعامل مع مشاعرها المضطربة إثر الصدمة والفقدان، ومع ذلك رفضت تناول حبوب الاكتئاب وأرادت أن تعيش حزنها بالكامل. تصف دينا الحالة فتقول: "أول فترة بعد فقدان عزيز، الفقدان بيعمل فراغ، لازم الواحد يحزن ويبكي، لكن إلى جانب حزنه الشخص لازم يعمل على تحسين حياته وما يستسلم. وفي مرحلة لازم الواحد يطلب مساعدة، والأهم إنه الشخص يتعلم يتخطى الماضي رغم صعوبة تنفيذ ذلك." شغلت دينا نفسها بالعمل في مقهى ومن ثم في مؤسسة غير ربحية لكنها لم تشعر بالرضا تجاه أي من الوظيفتين، فقررت الانشغال بالفن وبدأت بتعلّم التطريز والخياطة من خلال يوتيوب وصممت أول حقيبة نسائية وبدأت بارتدائها.

لاقت الحقيبة استحسان الكثيرات وبدأن بالاستفسار عن صانعها. لفت ذلك دينا وقررت أن تستمر بتطوير مهاراتها بالتطريز وأن تحوّل هذا الفن إلى مصدر رزق. وبدأت تفكر بالتجارة الالكترونية كخيار يحمل مخاطرة مادية أقل من غيره ويشكّل متعةً بالتواصل مع الزبائن من كل الجنسيات حول العالم، على حد تعبيرها. وبدأ يتسع اهتمام دينا بالفنون، فصممت لأختها سترة من الجينز ورسمت عليها علم فلسطين واستخدمت تطبيق انستغرام للترويج للفكرة، فأصبح هذا المنتج كذلك على قائمة المبيعات التي يوفرها موقع دينا الالكتروني والذي أطلقته بداية العام 2018. لفت دينا اهتمام متابعيها على مواقع التواصل الاجتماعي بالأزياء التي تعبر عن بلدانهم التي هاجروا منها إلى الولايات المتحدة، ولذلك بدأت بالتركيز على إنتاج الأزياء التي تعبر عن الهوية العربية، فترسم خرائط البلدان المختلفة وأعلامها على الملابس وتستخدم الخط العربي في تزيين مختلف القطع.

تقول دينا إن هذا العمل الذي يلبي شغفها ويغنيها عن الوظيفة التقليدية ساعدها على تخطي مرحلة الحداد التي كانت لتطول لو أنها لم تجبر نفسها على التقدم كل يوم. "كل ما أرجع خطوة لورا أدفش حالي للأمام". تعكف دينا على توثيق حكايتها مع الفقدان والعلاج بالفن من خلال كتاب تطمح أن تقدّم من خلاله تجربتها للقرّاء لتساعدهم على تحسين حياتهم والبحث عن السعادة رغم التجارب القاسية على حد تعبيرها. ترى دينا أن الكتاب يتخطى الحواجز الزمانية والمكانية ويتيح للناس الاطلاع على تجارب غيرهم والاستلهام منها، كما يشكل الكتاب بنظرها حافزاً للنساء لتغيير ما يرغبن بتغييره في حياتهن.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.