قصة الساحرة التي أنقذت السكان من الإبادة الجماعية!

جاد محيدلي | 31 كانون الأول 2018 | 09:00

عندما تندلع الحرب تنتشر دائماً قصص غريبة تنطبع في ذاكرة الشعوب ويتناقلها الأجيال، تماماً كقصة زورا كاروهيمبي التي كانت تشتهر بأعمال السحر، لكنها استطاعت بسبب هذه السمعة زرع الخوف في نفوس مجموعة من الرجال المدججين بالسلاح، وذلك كان كافياً لحماية امرأة مسنة مثلها وأكثر من مئة شخص خلال الإبادة الجماعية في رواندا. يشار الى أنه قُتل 800 ألف شخص في أعمال العنف العرقية التي اجتاحت رواندا عام 1994، من بينهم ابن زورا البكر وابنتها. وبعد 20 عاماً من تلك الأحداث الدامية، تحدثت كاروهيمبي من نفس غرفتها في منزلها الصغير لقناة "بي بي سي" وكشفت كيف قامت بمنع حصول إبادة جماعية. وفي التفاصيل، منزل كاروهيمبي المكون من غرفتين في قرية موسامو تحول إلى ملاذٍ آمن لأبناء التوتسي وحتى ثلاثة من الأوروبيين أثناء الإبادة الجماعية. وقال بعض السكان المحليين إن عشرات الأشخاص اختبأوا تحت سريرها وفي مكان سري في السقف وأضاف آخرون أنها حفرت خندقاً في حقلها لتخفي الناس فيه، وكان من بينهم أطفال رضّع بقوا أيتاماً بعد مقتل أمهاتهم. ولا يُعرف حتى الآن عدد الأشخاص الذين كانوا في المنزل، وهي حتى لم تحصِ عددهم لكنهم بالتأكيد كانوا بالعشرات والمئات.

توفيت زورا كاروهيمبي في منزلها في قرية موسامو، شرق العاصمة الراواندية في 17 كانون الأول 2018. ولا أحد يعرف تماماً كم كان عمرها، لكن الأوراق الرسمية تشير إلى 93 عاماً. كانت بحسب القصص التي يتناقلها الشعب تنتمي لأسرة من الأطباء التقليديين. وفي حينها، قرر البلجيكيون تنظيم سكان رواندا، فقسموهم إلى مجموعات وأصدرت بطاقات هوية تبين الانتماء العرقي لهم سواء كانوا من الهوتو أو التوتسي. وكانت عائلة كاروهيمبي من الهوتو، وهم يشكلون الأغلبية في رواندا. بينما حصلت أقلية التوتسي على فرص عمل وتعليم أفضل خلال مرحلة الاستعمار. تلك التفرقة أشعلت التوترات بين المجموعتين في عام 1959، وكانت كاروهيمبي لا تزال شابة في ذلك الحين، عندما أجبر ملك التوتسي مع عشرات الآلاف من أبناء التوتسي على الذهاب إلى المنفى في أوغندا المجاورة في أعقاب ما يعرف بـ "ثورة الهوتو" في رواندا. ثم بدأت الهجمات الأولى وأعمال العنف بعد إسقاط طائرة الرئيس "جوفينال هابياريمانا" في نيسان 1994. ومنذ ذلك الحين كان سلاح كاروهيمبي هو تخويف القتلة بأنها ستبعث بالأرواح الشريرة إليهم وإلى عائلاتهم. كما كانت تدهن جسدها ووجهها بعشبة محلية مزعجة لجلد الانسان لإبعاد القتلة الذين كانوا يخافون أن تلمسهم فتصيبهم العدوى. ويقول أحد الناجين من الإبادة الجماعية: "هذه هي الطريقة التي استخدمتها كاروهيمبي تماما لإنقاذي وإنقاذ العديدين، بقينا على قيد الحياة بعد أن أخبرت كاروهيمبي ميليشيا الهوتو بأنه إذا دخلوا الضريح فإنهم سيعانون من غضب نيا بينجي وهي كلمة راواندية تطلق على الله وكانت تخيفهم تلك المعتقدات". كانت كاروهيمبي كذلك تهز أساورها وأي شيء آخر يمكن أن تجده لإخافة الرجال المسلحين وإبعادهم.

وتروي الساحرة المفترضة لـ"بي بي سي": "أتذكر في يوم من أيام الأحد عندما عاودوا تهديد من في منزلي، واجهتهم كالمعتاد ، وحذرتهم إن عاودوا ثانية فسيحفرون قبورهم بأيديهم". ومع انتهاء الإبادة الجماعية وأعمال العنف ودخول المتمردين من التوتسي إلى العاصمة كيغالي، كان كل شخص لجأ إلى كاروهيمبي على قيد الحياة، أي أنها استطاعت حماية عشرات الأرواج من القتل والتعذيب. واستمرت أسطورة الساحرة في المنطقة رغم تأكيداتها المتكررة بأنها لم تكن ساحرة في حياتها قط بل أن مسألة القوة السحرية كانت مجرد بدعة وغطاء استخدمته لإنقاذ الأرواح. لكن وعلى الرغم من ذلك، وصلت قصتها إلى أعلى المستويات في رواندا، ومُنحت في عام 2006، وسام الحملة ضد الإبادة الجماعية. 

ومن أبرز القصص التي تنتشر عن كاروهيمبي، أنه مع تصاعد العنف العرقي بين المجموعتين في عام 1959، نصحت كاروهيمبي أم صبي يبلغ من العمر عامين، أن تأخذ بعض الخرزات من قلادتها الخاصة وتعلقها بشعر الصبي الصغير. حيث قالت: "أخبرتها أن تحمل ابنها ولا تدعه يفلت من يديها، فتظنه الميليشيات فتاة، فتتركه في حال سبيله، لأن الميليشيا كانت تقتل الصبيان دون البنات. لقد نجا الصبي وكبر وأصبح الرجل الرئيس الحالي بول كاغامي الذي قدم لي ميدالية، إحتفظت بالميدالية التي سلمها لي كاغامي 2006، ولم تفارقني إلا عند النوم، إذ كنت أخبئها تحت وسادتي للحفاظ عليها من السرقة".



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.