محطة القطار التي غيّرت مجرى تاريخ العالم ... ما علاقتها بغاندي؟

جاد محيدلي | 3 نيسان 2019 | 09:00

محطة قطارات بيترماريتزبرغ التي تبعد ساعة عن مدينة دوربان، الميناء الرئيسي بجنوب أفريقيا، ليست كأي محطة قطار في العالم. والقصة تعود تحديداً إلى السابع من حزيران 1893، حيث كان موهنداس كرمشاند غاندي المحامي الشاب آنذاك يستقل القطار من مدينة دوربان إلى بريتوريا نيابة عن موكله التاجر دادا عبد الله. وعندما توقف القطار في مدينة بيترماريتزبرغ، أمره محصل التذاكر بالانتقال من عربة الدرجة الأولى من القطار، المخصصة لذوي البشرة البيضاء، إلى العربة المخصصة للركاب الأدنى منزلة. لكن غاندي رفض الانتقال وأراه تذكرة الدرجة الأولى التي كان يحملها، لكنه وعلى الرغم من ذلك طرده محصل التذاكر من القطار. لاحقاً وُضعت لافتة على رصيف المحطة في الموقع نفسه الذي شهد طرد غاندي وإلقاء أمتعته من القطار، كُتب عليها: "هذه الواقعة غيّرت مجرى حياته".

وفي تفاصيل هذه القصة، أمضى غاندي هذه الليلة الشتوية الباردة في غرفة الانتظار الصغيرة من المحطة دون تدفئة. وكتب غاندي في سيرة حياته "قصة تجاربي مع الحقيقة": "لم أجرؤ على طلب معطفي من الحقيبة خشية أن أتعرض للإهانة مرة أخرى، فجلست أرتجف من البرد". وكان غاندي قد انتقل إلى جنوب أفريقيا من مومباي في عام 1893 بعد قبول منصب بعقد لمدة عام في شركة هندية تقع في مستعمرة ناتال في إقليم ترانسفال. وغاندي كان قد تعرض عدة مرات للتمييز العنصري. فقبل أيام من واقعة القطار، انسحب غاندي من إحدى قاعات المحاكم في مدينة دوربان بعد أن أمره القاضي بخلع عمامة السيخ.  لكن لحظة طرده من القطار في محطة بيترماريتزبرغ تعتبر الأهم في حياته، لا بل الأهم في حياة الأمم والشعوب، حيث تعتبر تلك اللحظة الشرارة التي أيقظت حماسة غاندي، ودفعته إلى خوض غمار الكفاح ضد التمييز العنصري الذي عانى منه بنفسه. وفي كتاب "قصة تجاربي مع الحقيقة" قال: "لن أعود أدراجي إلى الهند جارّاً أذيال الخيبة. إذ لم تكن المعاناة التي تجرّعتها سوى عرض لمرض التحيز العنصري المتجذر في المجتمع. ولا بد أن أحاول بقدر المستطاع أن أستأصل شأفة المرض مهما كلفني الأمر من عناء ومشقة".

ومنذ قصة قطار بيترماريتزبرغ، لم يتهاون غاندي مع التعصب على الإطلاق، وقرر أن يعارض السياسات التمييزية بالطرق السلمية، بتنظيم إضرابات ومسيرات لمواجهة النظم الانتخابية المتحيزة وأوضاع العمل المجحفة. ومن رحم كفاحه السلمي، ولد مبدأ "الساتياغراها" الذي يعني "التمسك بالحقيقة"، ويهدف إلى إقناع الخصم واستمالته إلى صفك وتحقيق توافق بين الطرفين المتناحرين دون اللجوء إلى العنف. وبعد مسيرات عدة وحملات اعتقال، نجح غاندي في نهاية المطاف في التفاوض مع حكومة الأقلية البيضاء، وأسفرت المفاوضات عن تمرير قانون إعفاء الهنود في عام 1914، الذي ينص على إلغاء الضرائب الإضافية التي كانت مفروضة على المواطنين الهنود في حال عدم تجديد عقود العمل الإلزامية والاعتراف بشرعية الزيجات الهندية.

والأمور لم تقف هنا، فتبنّى لدى عودته إلى الهند عام 1914، أساليب المقاومة السلمية في نضاله ضد التجنيد الإجباري الذي فرضته بريطانيا على الهنود إبان الحرب العالمية الأولى، وعند التفاوض على إنهاء الاحتلال البريطاني للهند، وتمخضت المفاوضات عن استقلال الهند رسمياً في عام 1947. كما ألهمت أساليب المقاومة هذه مارتن لوثر كينغ الابن ونيلسون مانديلا في مسيرتهما النضالية، مما ساهم في تغيير العالم كله. 

يشار إلى أنه اليوم أصبحت محطة بيترماريتزبرغ وجهة للهنود للتعبير عن تقديرهم لغاندي في المكان نفسه الذي شهد طرده من القطار. وكتب رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، في دفتر الزوار بالمتحف، أثناء زيارته للمدينة عام 2016: "شهدت مدينة بيترماريتزبرغ واقعة غيرت مجرى تاريخ الهند".

وتحتضن اليوم غرفة الانتظار الصغيرة متحفاً يسرد قصة هذه الليلة في عام 1893 والعقدين اللاحقين اللذين قضاهما غاندي في جنوب أفريقيا. واكتست جدرانها بالألواح التثقيفية والشاشات التفاعلية وصور بالأبيض والأسود لغاندي وهو يرتدي معطف المحاماة. وفي حزيران عام 2018، بالتزامن مع مرور 125 عاماً على هذه الواقعة، زارت وزيرة الخارجية سوشما سواراج محطة بيترماريتزبرغ وأزاحت الستار عن تمثال لغاندي على رصيف المحطة.






إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.