ما الثقب الأسود الذي ضج العالم بصورته؟

جاد محيدلي | 11 نيسان 2019 | 20:00

تمكن علماء الفلك من التقاط أول صورة في التاريخ للثقب أسود الذي يقع في مجرة بعيدة عن كوكب الأرض أكثر مما نتخيل. وقال البروفيسور الذي اقترح التجربة، هينو فالك، من جامعة رادبود في هولندا، إنه تم العثور على الثقب الأسود في مجرة تسمى إم87. وتعتبر هذه اللحظة تاريخية في حياة البشر والعلماء، ولذلك أثارت ضجة كبيرة حول العالم. لكن ماذا تعرفون أنتم عن هذه الظاهرة الطبيعية؟

الثقب الأسود هو منطقة في الفضاء ذات كثافة مهولة أي تحوي كتلة بالغة الكبر بالنسبة لحجمها تفوق غالباً مليون كتلة شمسية، وتصل الجاذبية فيها إلى مقدار لا يستطيع الضوء الإفلات منها، ولهذا تسمى ثقباً أسود. الثقب ظهر في الصور كـ"حلقة نار" ملتهبة، تحيط بفتحة مظلمة دائرية. ونتجت هذه الهالة الساطعة من سقوط غاز محموم في الفتحة. ويبدو الضوء الصادر عنه أكثر إشراقاً من جميع مليارات النجوم الأخرى في المجرة مجتمعة، ولذا يمكن رؤيته من مسافة بعيدة من الأرض. ويدخل الغاز إلى الثقب الأسود من طريق حافة الحلقة المظلمة في المركز، ويرتفع فيه معدل الجاذبية بشكل كبير، حيث لا يمكن حتى للضوء أن يهرب. تبلغ مساحة الثقب 40 مليار كيلومتر، أي ضعف حجم الأرض بثلاثة ملايين مرة، وقد شبهه العلماء بـ"الوحش". ويبعد الثقب 500 كوادريليون كيلومتر عن الأرض (كوادريليون= مليون ترليون)، واشترك في تصويره شبكة من ثمانية تلسكوبات في جميع أنحاء العالم. ويقول عضو فريق الفلكيين الدكتور زيري يونسي، من جامعة لندن، إن الصورة التي أخذت للثقب تتطابق مع ما كان يتخيله علماء الفيزياء النظرية ومخرجو هوليوود.

العلماء قد بدؤوا برصد الثقب الاسود قبل عامين إلى جانب ثقب آخر يقع في مركز مجرتنا "درب التبانة"، لكن الصورة الأولى لم يكن ممكناً التقاطها إلا اليوم، حيث دمج العلماء بيانات ثمانية مراصد من أربع قارات للحصول على الصورة المركبة. وبالعودة الى التاريه، ففي أيلول 1939، قدم عالما الفيزياء الأميركيان روبرت أوبنهايمر وهارتلاند سنايدر أول ورقة أكاديمية بشأن الثقوب السوداء، وتنبآ فيها بأن النجم الذي يزيد حجمه عن الشمس بنحو 25 مرة عندما ينضب وقوده من الهيدروجين سيفقد توازنه، فتزداد فيه قوى الضغط على قوى النبذ الناجمة عن الاندماج النووي، ليبدأ بالانكماش تحت تأثير جاذبيته حتى ينضغط متحولاً إلى "مستعر أعظم" (سوبرنوفا)، ثم يتحول إلى ثقب أسود. لكن ولسخرية القدر، فإن اليوم الذي نشرت فيه تلك الورقة تزامن مع غزو الجيش الألماني بقيادة أدولف هتلر لبولندا، متسبباً في اندلاع الحرب العالمية الثانية، حيث توقف الاهتمام بهذه النظرية. وكانت نظرية الثقوب السوداء موضع جدل منذ العام 1783، عندما تخيل الفيزيائي جون مينشل وجود نجم كثيف تبتلع جاذبيته الشديدة كل شيء حتى ضوءه الخاص، ثم برهنت نظرية النسبية العامة لألبرت آينشتاين عام 1915 على إمكانية وجود الثقوب السوداء. الفيزيائي البريطاني الشهير ستيفن هوكينغ وجد في السبعينيات أن الثقب الأسود يمكنه أن يبث جسيمات في صورة إشعاع سمّي "إشعاع هوكينغ"، مما يؤدي إلى احتمال تبخر الثقب حتى يختفي. ومع أن بعض الباحثين نجحوا مطلع العام الحالي في محاكاة إشعاع هوكينغ تجريبياً، فإنهم لم يجزموا بوجود هذا الإشعاع.

في عام 2015 توصل العلماء إلى قياس موجات الجاذبية التي أنشئت في النظام الثنائي الموجود في الثقب الأسود، واعتُبر ذلك أول دليل ملموس على وجود الثقوب السوداء، لكن النظرة الأولى لتلك الثقوب لم تتحقق إلا يوم أمس عند التقاط أول صورة للثقب الأسود وسيدخل هذا الحدث في تاريخ العلم والبشرية.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.