ممنوع أكل البصل وقتل الحشرات... هل تعرفون ديانة "الجاينية"؟

جاد محيدلي | 13 نيسان 2019 | 10:00

تتعدد وتختلف الديانات التي تنتشر على كوكب الأرض، ولكل ديانة معتقداتها الخاصة وعاداتها وتقاليدها، وعلى الرغم من أن الإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية هي أشهر الأديان التي نعرفها، الا أن هناك عشرات بل مئات الأديان الأخرى التي لم نسمع بها من قبل، مثل الديانة "الجاينية" مثلاً!  هذه الديانة تعتبر من أقدم الديانات على مستوى العالم، ويعتقد أتباعها باللاعنف تجاه كلّ المخلوقات. وتطرح الديانة نظرية أساسية وهي أن "كلّ كائن، في هذا العالم، سواء كان إنساناً أو حيواناً أو مخلوقاً ضئيلاً، لديه من الله كلّ الحق في الحياة"، كما تطرح سؤالاً: "من نحن كي نأخذ ذلك الحق منه؟". يطلق على أتباع هذه الدّيانة اسم اليانيّون أو الجاينيّون وهي كلمة مشتقة من الكلمة السنسكريتية "جاينا" والتي تعني المنتصر وتشير إلى طريق النصر بعد تجاوز تيّار الحياة والانبعاث من جديد من خلال حياةٍ أخلاقية وروحية. وتؤكّد الجاينية على عدم العنف ضد جميع الكائنات ليس فقط في التصرّف ولكن أيضاً في الكلام والفكر وتنصّ أيضاً على أنّه "يجب على كل الكائنات الحية أن تساعد بعضها البعض" بدلاً من الكراهيّة أو العنف ضد أي كائن. ويعتبرون أن العنف يؤثّر سلباً على النفس ويدمّرها، بخاصّة عندما يتمّ العنف بنيّة أو كراهية أو إهمال، أو عندما يتسبّب أحد أو يشارك بشكل غير مباشر في قتل كائن بشري أو غير إنساني.


تأسّست فكرة تقديس اللاعنف (الآهيسما) في النصوص الدينيّة الهندوسية والبوذية، وقد يكون لها أصول في الأفكار الفيدية القديمة ومع ذلك، فلم يقم أيّ دينٍ هنديّ آخر بتطوير مبدأ اللاعنف وآثاره على الحياة اليومية كما هو الحال في الديانة الجاينية. المبدأ الآخر لهذه الديانة هو "انيكانتافادا" وهي كلمة مشتقّة من "anekānta" التي تعني "ليس ذو جانبٍ واحد، أو انحياز متعدّد أو تعقيد" وتنص هذه العقيدة على أن الحقيقة والواقع أمر معقد وله جوانب متعددة دائماً، ويمكن اختبار الواقع، ولكن لا يمكن التعبير عنه بالكامل باللغة. وتعتبر اللغة وسيلة ومحاولة للتعبير عن الحقيقة، وكذلك فإن الحقائق الروحية معقدة، ولها جوانب متعددة، ولا يمكنُ للّغة التعبير عن تعدّدها، ولكن يمكن تجربتها من خلال المجهود. أي وبإختصار الواقع متعدد الأوجه ولكل شخص منظور مختلف عن الحقيقة. المبدأ الرئيسي الثالث في الديانة هو "aparigraha" ويعني عدم التعلق بالممتلكات الدنيويّة، فالتزهّد في الجاينية يتطلب النذر بعدم الامتلاك الكامل لأي ممتلكات، أما بالنسبة إلى الأشخاص العاديين من الجاينية فإن الديانة توصي بعدم امتلاك ممتلكات محددة تم الحصول عليها بالمال الخاص، وإعطاء الممتلكات الزائدة عن الحاجة للأعمال الخيرية. وتتميز الجاينية بأنها أشد تقاليد الزهد تقشفاً بين الأديان الهندية الكبرى وهي جزء أساسي من الإنكباب والسعي الروحي للمتدينين في فقه التسول الديني.

تُعلم الجاينية أن الإنسان مسؤول عن تصرفاته وأن كل كائن حي له روح خالدة، أو "جيفا". تصر الجينية على التفكير والعيش والعمل بشرف وباحترام للطبيعة الروحية لكل الحياة. يعتقد المؤمنين بتلك العقيدة بان الإله هو خصائص غير متغيرة داخل كل كائن حي وهي المعرفة التامة والانطباع والضمير والسعادة، ولا يؤمن اتباع الجاينية بان الإله هو اله عظيم متفرد بذاته وإنما بكون أبدى يُحكم بالقوانين الطبيعية. تمتثل الثقافة الجاينية لقواعد نباتية محددة ويعود ذلك إلى مبدأ اللاعنف تجاه جميع الكائنات الحية الراسخ في جوهر العقيدة الجاينية، يتبع معظم الجاينيين النباتية اللبنية فيُمنع تناول كل الحيوانات وحتى البيض ولكن يُسمح بمنتجات الألبان ولكن يُستحب الامتناع عن تناول منتجات الألبان في حال تعرض الحيوانات للعنف خلال عملية إنتاج هذه المنتجات. لا يتناول الراهبات والرهبان الخضراوات الجذرية مثل البطاطا والبصل والثوم وذلك لتعرض المخلوقات الحية الدقيقة للأذى خلال عملية قطاف هذ النوع من الخضراوات. يصوم الجاينيون في أوقاتٍ محددة من السنةِ خاصةً خلال المهرجانات، وتدعى هذه الممارسة "أوبافاسا، تاباسيا" أو "فراتا"







في ولاية جوجارات الهندية، تقع مدينة باليتانا، وهي أحد أكثر المواقع الجاينية قداسة، فهي تحتوي على أكثر من 900 معبداً، وهي أحد أقدس الأماكن لأتباع الديانة، الذين يعتقدون بأنه لا يحق للإنسان بقتل أي مختلوق ومن بينهم الحيوانات، فلا يسمح أكل أي حيوان على الإطلاق، لدرجة أنهم يمشون بعناية حتى لا يتسببوا في أي ضرر للحشرات.

 

كما أن "اليانية" ضد استهلاك اللحوم والبيض، ولكن يُسمح باستهلاك منتجات الألبان، رغم الضرر الذى يقع على الحيوانات، ويذكر موقع " vegannews"، المتخصص فى الطعام النباتى، أن أهل المدينة، أضربوا عن الطعام فى يونيو 2014، مهددين بتجويع أنفسهم حتى الموت حتى تعلن الحكومة أن المدينة منطقة خالية من اللحوم، وطالب رهبانها بإغلاق أكثر من 250 متجر جزارة وفرض حظر على ذبح الحيوانات.

 

الجدير بالذكر أن أن قرارات حظر ذبح الحيوانات بالمدينة، أثارا استياء الأغلبية المسلمة فى هذه البلدة، نظرا لتناولهم هذه الأطعمة واللحوم المذبوحة، مؤكدين أن للجميع الحرية فى تناول ما يشاء، ولا يجب فرض أطعمة معينة على المواطنين.


وهناك لا يريد الكثير من السكان قتل المخلوقات من أجل لحومها. وعلى هذا الصعيد، بدأ حوالى 200 راهب جايني، أخيراً، إضراباً عن الطعام، وهددوا بالصيام حتى الموت، إذا لم تعلن كلّ المدينة كمنطقة نباتية الغذاء. 
ويعلّق أحد أتباع الديانة، سادار ساغار على التحرك: "كان اللحم على الدوام متوافراً بكثرة في المدينة، لكنّه مخالف لتعاليمنا، وكنا نطمح إلى حظر كامل على الغذاء غير النباتي، هنا". 
تحقق ما يصبو إليه الجاينيون بالفعل؛ ففي 14 أغسطس/آب الماضي، أعلنت حكومة جوجارات، باليتانا "منطقة بلا لحوم". وجرى الحظر الكامل على مبيعات اللحوم والبيض، كما مُنع ذبح الحيوانات داخل حدود المدينة. 
هذا الحظر، يعتبره الجاينيون "انتصاراً للنباتيين". لكنّه، في الوقت عينه، يمثل ضربة للاقتصاد؛ فصيادو أسماك، مثل نيشيت مهرو، سيتوقفون عن العمل نهائياً. يقول الصياد: "كيف سنعيش اليوم؟ على الحكومة ألا تتخذ قرارات أحادية الجانب، تحت الضغوطات". 
من جهته، لم يقتصر ما فعله الصياد الآخر فاليجباي ميثابورا على الاحتجاج؛ فقد رفع دعوى أمام محكمة الولاية ضد القرار الحكومي. وستقرر المحكمة لاحقاً، ما إذا كان الحظر الحكومي شرعياً. ومن المعروف أن ولاية جوجارات يحكمها الحزب الهندي القومي (بهاراتا جاناتا)، بقيادة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي. 
وبينما يبلغ عدد سكان باليتانا 65 ألف نسمة، فإن 25% منهم مسلمون، وهو ما يدفع رجل الدين المسلم المحلي جيهانغير ميان إلى رفض الحظر على اللحوم. ويقول: "هنالك الكثير من السكان هنا، ومعظمهم ليسوا نباتيين". ويتابع: "منع هؤلاء من أكل اللحوم، يعدّ انتهاكاً لحقوقهم. فنحن نعيش في المدينة منذ عقود، ومن الخطأ تطبيق الحظر بشكل مفاجئ، في كلّ المدينة".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.