قصة رجل تحدى أبشع أنواع التنمّر وحقّق المستحيل!

جاد محيدلي | 17 حزيران 2019 | 11:00

يعتبر التنمّر من أسوأ وأخطر التجارب التي قد يمر بها الأطفال والمراهقون في المرحلة الدراسية، فالتعرض للسخرية والإذلال قد يؤدي الى مشاكل نفسية أو حتى الى الإنتحار. لكن يجب أن يعلم كل شخص تعرض للتنمر ويقرأ هذه الكلمات أن المشكلة ليست به بالمتنمر نفسه، ولعل قصة المستثمر البريطاني غاي هاندز، والتي تعود الى أيام طفولته الصعبة، خير دليل على قوة الإرادة. كان هاندز يبلغ من العمر ثلاث سنوات عندما غادر زيمبابوي للعيش في بريطانيا، وكان مختلفاً عن بقية التلاميذ نظراً لمعاناته من عسر القراءة، الأمر الذي جعله هدفاً للتنمر الدائم في فترة طفولته أواخر ستينيات ومطلع سبعينيات القرن الماضي. وفي مقابلة مع BBC يقول هاندز: "فقدت أعصابي أخيراً وأنا في سن التاسعة، كان في الصف وقتها معلمة لم تحكم سيطرتها على التلاميذ مما أسهم في زيادة حالات التنمر"، مضيفاً: "خرجت عن شعوري وقتها، ومازلت أشعر بندم بسبب ما فعلته، إذ ضربت تلميذاً على رأسه بمقعد". 

بعد هذه الحادثة، ترك هاندز المدرسة العادية والتحق بمدرسة خاصة لمدة عامين ساءت فيها الأمور أكثر. ويقول هاندز: "أمضيت ذات مرة أربعة أيام في المستشفى، بعد أن سعى تلميذ، قصداً أو بدون قصد، إلى إغراقي. كان وقتاً صعباً للغاية". يقول هاندز إن طفولته الحزينة جعلته يحرص أكثر على تحقيق النجاح. ويضيف: "لم تختلف تجربتي عن كثير من المهاجرين الذين يشعرون بالغربة والرغبة في إثبات الذات. وما زاد الطين بلة كانت معاناتي الشديدة من عسر القراءة، لم يكن أمامي إلا الاختيار بين الغرق أو تعلم السباحة. ولكني نجحت في خوض التجربة". لكن انقلبت حياة هانذز، بعد عامين في المدرسة الخاصة، رأساً على عقب نحو الأفضل، إذ كان يبلغ وقتها 11 عاماً، واستطاع الالتحاق بمدرسة للمتفوقين، مدرسة "جاد" الواقعة ببلدة تونبريدج بمنطقة كينت جنوب شرقي لندن. وعلى الرغم من أن إصابته المرضية التي تحد من قدرته على القراءة، استطاع تحقيق تفوق في مادة الاقتصاد وحصل على درجة "A". وعلى الرغم من حصوله في مادتين فقط، وليس ثلاث مواد كالمعتاد، على درجة "A"، تقدم في سن الثامنة عشرة للالتحاق بجامعة أوكسفورد. وكانت كلية "كيبل" رغبته الأولى في الجامعة، وقد وُجهت له الدعوة لإجراء مقابلة شخصية رُفِض خلالها مباشرة. ولم تُوجه له دعوة لإجراء مقابلة شخصية في كلية "مانسفيلد"، رغبته الثانية، ومع ذلك قرر التوجه إلى الكلية في جميع الأحوال. يقول هاندز: "قالوا لي: اذهب وسنتصل بك إن وجدنا حاجة لذلك. أدركت أنهم لن يتصلوا بي إن تركت المكان، فبقيت ولم أبرح مكاني خارج الكلية". وأخيراً أشفق عليه موظف بالكلية وحدد له موعداً للقاء لجنة الاختيار بعد بضعة أيام. وحدثت المعجزة وقُبِلت أوراقه. 

وقسّم هاندز وقته، أثناء دراسته في أوكسفورد، بين الدراسة وإدارة مشروعه الأول، وهو شركة فنية أطلق عليها اسم "آرتسيك" وظف فيها طلبة مثله بمدن بريطانية لبيع اللوحات، إذ كان يتعين عليهم طرق الأبواب للعثور على الزبائن. ثم وصل عدد العاملين لديه 65 شخصاً، وكان مشروعه مربحاً وأتاح له شراء أول منزل له، لكنه مُني بخسارة مالية فادحة بعد شراء متجر في أوكسفورد أكتشف لاحقاً أنه متهالك، الأمر الذي استلزم "إنفاق أكثر من 40 ألف جنيه استرليني، وكان مبلغاً ضخماً في تلك الأيام، لاسيما إن عرفت أن شراء بيت في ذلك الوقت كان يتكلف 12 ألفاً. لقد كان مبلغاً باهظاً". ويضيف: "استشرت أحد الخبراء ونصحني من واقع خبرته التجارية بإشهار إفلاسي، وإلا سأمضي بقية حياتي أسدد الديون. لم اعتبرها نصيحة صائبة، وسألته عن الشركات التي توظف عاملين بها بأعلى رواتب، فقال لي غولدمان ساكس". واستطاع بالفعل العمل في الشركة في حي المال والأعمال في لندن. وكان ذلك عام 1982 ولم يكن قد تجاوز عامه الثالث والعشرين. وسرعان ما حالفه النجاح وترقى في العمل وأصبح ثرياً، إذ كانت لديه موهبة في رصد الاستثمارات الناجحة، وساعده في ذلك سعيه لتوظيف "شخصيات ذكية تجيد التعامل بالأرقام بغض النظر عن التمتع بمظهر جذاب، بينما كان المعتاد في ذلك الوقت توظيف شباب من ذوي البشرة البيضاء".

وبعد 12 عاماً قضاها في "غولدمان ساكس" انتقل هاندز إلى "نومورا" عام 1994 وأنشأ صندوقه الاستثماري "تيرا فيرما" في عام 2002.  وتواصلت النجاحات حتى آب 2007 بعد أن استطاع شراء شركة "إي إم آي" بمبلغ 2.4 مليار جنيه استرليني. لكن بسبب الأزمة المالية خسر 156 مليون جنيه من ماله الخاص لكنه لم يستسلم وواصل عمله. ويدير اليوم هاندز صندوق "تيرا فيرما" للاستثمارات ويعد بين أبرز المستثمرين في بريطانيا وتقدر ثروته بـ265 مليون جنيه استرليني. ويزاول هاندز أعمالاً خيرية في أوقات فراغه، ويقول إنه يفضل التبرع "للهيئات الخيرية التي لا تجد من يتبرع لها" كالتي تساعد المعوزين اجتماعيا ونزلاء السجون، ومن يعانون من إدمان الكحول.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.