أغرب وأنجح جرائم الاحتيال... قصة انتحال هوية وزير الدفاع الفرنسي!

جاد محيدلي | 22 حزيران 2019 | 16:00

سمعنا الكثير من القصص حول انتحال هوية شخص ما، لكن أن يقرر أحدهم انتحال شخصية وزير فرنسي فهنا تختلف القصة كثيراً. وطوال عامين، ومنذ أواخر عام 2015، انتحل فرد أو أفراد شخصية وزير الدفاع الفرنسي آنذاك، جان إيف لو دريان، بالحصول احتيالاً على ما يقدر بنحو 80 مليون أورو، أي 90 مليون دولار، من الضحايا الأثرياء، بمن فيهم آغا خان الزعيم الروحي لطائفة الشيعة الإسماعيلية، ومالك شركة "شاتو مارغو" للخمور. وكان الوزير المزيف يدفع الأشخاص المستهدفين، إلى الاعتقاد بأن من يتصل بهم هو السيد لو دريان، الذي يطلب بعد ذلك مساعدة مالية، لدفع فدية للصحافيين المختطفين كرهائن، من مسلحين متشددين في الشرق الأوسط. ولأن فرنسا لا تدفع رسمياً فدى لمختطفي الرهائن، فإن لو دريان المزيف كان يؤكد لضحاياه أن المدفوعات لا يمكن تتبعها، وكان يطلب إيداع الأموال في أحد البنوك في الصين.

وبحسب BBC، اشتبه كثير ممن اتصل بهم الوزير المزيف في الأمر، وأنهوا الاتصال معه. لكن البعض لم يفعل ذلك، ما جعل هذه الجريمة واحدة من أغرب وأنجح جرائم الاحتيال. وفي هذا الإطار، قالت دولفين مييه، محامية لو دريان، الذي يشغل الآن منصب وزير الخارجية الفرنسي: "كل شيء متعلق بهذه القصة استثنائي. لقد تجرأوا على انتحال هوية وزير فرنسي. ثم اتصلوا برؤساء شركات ورؤساء حكومات حول العالم، وطلبوا مبالغ هائلة من المال. ما هذا!" لكن لم يتم معرفة لماذا ختير جان إيف لو دريان، ربما لأنه كان في ذلك الوقت وزير دفاع، مما دفع للافتراض بأنه مسؤول عن توفير الفدى للرهائن. ويجري التحقيق في القضية حالياً في فرنسا، حيث تتركز الشكوك حول محتال فرنسي - إسرائيلي مدان بأحكام قضائية، ويدعى غيلبرت شيكلي. ويقبع المشتبه فيه بالسجن في باريس حالياً، بعد تسلمه من أوكرانيا، ويواجه تهماً بالاحتيال المنظم وانتحال الهوية.

أما عن تفاصيل حياته، فنشأ شيكلي، الذي تعود أصوله إلى عائلة يهودية تونسية، في حي بلفيل شمال شرقي باريس. في عام 2015، أُدين بتهمة ابتزاز أموال من شركات فرنسية، من خلال انتحال شخصيات الرؤساء التنفيذيين لتلك الشركات. لكن حتى ذلك الوقت كان يعيش في حماية إسرائيل، التي ترفض تسليم مواطنيها. ووفقاً للسيدة مييه، "أجريت عشرات المكالمات مع رؤساء شركات ورؤساء حكومات أفريقية، بل ومع زعماء كنائس مثل رئيس أساقفة بوردو، ومنظمات خيرية مثل منظمة مكافحة الإيدز (Sidaction)".

عادة ما كانت تبدأ عملية الاحتيال بمكالمة هاتفية أولية، من شخص يدعي أنه من الدائرة المقربة للسيد لو دريان، مثل مستشاره الخاص جان كلود مالي، ثم يقوم هذا الشخص بترتيب محادثة مع الوزير المزيف نفسه. وفي محاولة لتكون العملية أكثر إقناعاً، يرتفع مستوى المكالمة إلى الفيديو. وحينذاك يصبح على لودريان المزيف أن يتشابه مع لودريان الحقيقي في مظهره أيضاً، فضلاً عن صوته. ولذلك ارتدى المحتال قناع لودريان المصمم من السيليكون خصيصاً لهذا الغرض، وجلس على مكتب يشبه تماماً المكتب الوزاري للوزير الفرنسي، مع وضع أعلام وصورة للرئيس الفرنسي آنذاك فرنسوا هولاند. وحرصت العصابة على أن تكون الإضاءة سيئة، وعلى أن يجلس المحتال على مسافة من الكاميرا.

وقال غاي - بيترو ليغنا، صاحب شركة بيترو لإنتاج الخمور، في فيلم وثائقي لإحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية: "إذا نظرت إلى الوراء، أسأل نفسي الكثير من الأسئلة. لكنه كان يشبهه بالفعل"، وأضاف: "وكان يطلب مساعدتي كخدمة للدولة. إنه أمر مخيف، لأنه ربما لو طلب قدرا أكبر من المال، ربما وافقت". يشار الى أن لا أحد من هؤلاء الضحايا يرغب في التحدث عن القضية. ومن بين 80 مليون أورو حصل عليها الوزير المزيف من خلال ابتزاز أصحابها، جاء أكثر من نصف هذا المبلغ من رجل أعمال تركي، لم يُكشف عن اسمه، بينما فقد الآغا خان 18 مليون أورو. وكان أحد الذين أفلتوا من الفخ الرئيس السنغالي ماكي سال. كان ذلك بسبب أن لو دريان المزيف ارتكب خطأ واضحاً، في مخاطبة الرئيس السنغالي بأسلوب فرنسي مهذب، واستخدم معه لفظ "أنتم"، بينما في الواقع كان الرجلان تجمعهما علاقة ودية قوية، ومن ثم اعتاد لودريان أن يخاطب سال مستخدما كلمة "أنت". وفي آب عام 2017، ارتكب الوزير المحتال خطأ السفر إلى أوكرانيا، واعتقل بناء على طلب فرنسا، وقال للشرطة الأوكرانية إنه جاء في زيارة إلى قبر حاخام يهودي معروف. لكن الشرطة عثرت في هاتفه على دليل، يفيد بأنه جاء لشراء قناع. لكن القصة لم تنته، ففي وقت سابق من العام الجاري، ومع وجود شيكلي خلف القضبان، عادت عمليات الاحتيال مرة أخرى. وبدأت تقارير تصل إلى سفارات، بأن لودريان المزيف بدأ من جديد يحاول ابتزاز الأموال، من "أصدقاء فرنسا" ذوي النفوذ. وفي شباط الماضي، اعتقل ثلاثة مواطنين فرنسيين - إسرائيليين، بالقرب من تل أبيب.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.