لباتريك مبارك الحقّ في رأيه دون التعبير... خطاب كراهية من الطراز الأول

محمود فقيه | 9 تموز 2019 | 17:52

مسَّ الممثل اللبناني باتريك مبارك بتسجيل صوتي بالمحرمات، صوّب سهامه على مجتمع بعينه، نال من مقدساته وأعراضه. لا تبرر لباتريك مبارك حالته النفسية ولا أي سبب دعاه لهكذا إشهار. لو انتشر له مقطع إباحي كان واقعه أسهل مما تمّ تسريبه. ممثل لبناني أدّى أدواراً مع ممثلين من مختلف الطوائف، جرّد زملاءه اليوم من إسلامهم لأنهم ليسوا داعشيين، فالإسلام الحقيقي هو إسلام داعش، حسب رأيه. 

يدّعي بأنه معجب بالشيوعية وأقرب بفكره إلى "الروس". إلا أن اطّلاعه لم يكشف له بأن السوفيات كانوا شيوعيين، والروس اليوم تخلوّا عن البولشيفية واليسار. وما من شيوعي يتحدث بهكذا خطاب. تخطى مبارك الحد المسموح به في الانتقاد قاذفاً بالإسلام ورسوله وصحابته و"أمهات المؤمنين".

لباتريك مبارك الحق في اعتناق ما يشاء، له حق امتلاك الرأي والمعتقد، ولكنه لا يمتلك حق التعبير عن الرأي. في الأعوام الأخيرة وبالتحديد عام 2014 وقّعت العديد من البلدان على وثيقة لمكافحة خطاب الكراهية. خطاب أشبه بسفك دماء جماعات وإثنيات وأجناس معينة. حتى إن وسائل التواصل الإجتماعي تم إجبارها على توقيع تعهّد بذلك، وكان موقع يوتيوب آخر من سار في الركب ووقّع. وهذا التسريب مهدد بالحذف من على منصات التواصل الإجتماعي لما يتضمنه من خطاب كراهية وعنف وتهديد. وما تم نشره على منصات التواصل هو جزء بسيط من تسجيليَن تمّ تناقلهما على تطبيق واتساب.

تحليل خطاب مبارك يبيّن أنه خرقٌ للقوانين الدولية وخرقٌ للقانون اللبناني تحت عنوان "بث النعرات الطائفية"، وهو خطاب كراهية ينال من المسلمين، حتى لو ورد في كلامه بأنه "لا يشمل الكل". إذ ورد في  العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ما يلي: "تُحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تُشكل تحريضاً على التمييز أو العدواة أو العنف". وتشمل هذه القوانين منع استخدام عبارات الإهانة، أو الألقاب، لتعيين أفراد من المجتمع بناء على عرقهم أو دينهم أو توجههم الجنسي. 

وإضافة إلى ما ورد، إن التسجيل المسرب هو بمثابة رسالة تحريض على القتل والشروع به، إذ يبدي استعداده لحمل السلاح وقتل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. إذا لم يكن في ذلك مسّاً بمقام الرئاسة، فهو تهديد بقتل إنسان آخر. 

في الصالونات المغلقة لدى المتشددين، يدور حديث أسوأ من هذا بكثير، ولكنه يبقى كالعلاقة الحميمية المحرّمة مخفية بين أربع جدران يتقاذفها أصحابها سراً خوفاً من الفضيحة. لا يمنعهم أحد من الإدلاء بذلك فيما بينهم مع خطورة أن تنقل آذان الحيطان أي تسريب، وهذا كفيل بأنه يحوّل التعبير عن الرأي إلى جريمة. 

لم يرتكب باتريك مبارك "جريمة رأي" بل ارتكب جريمة "تعبير عن رأي"، وذلك في مجتمع طائفي مشبع بالشحن المذهبي ويعيش أثار أحداث متنقلة بين الطوائف وأفرادها في ما بينها. لو كان له الحق في إدلاء هذا التعبير الشاذ عن الرأي، فإن التوقيت غير مناسب البتّة. 

انتحر باتريك مبارك فنياً واجتماعياً. حتى الذين من رأيه المتطرف سيجتمعون سرّاً كي لا تكون رفقته نوعاً من التعبير عن رأيهم أو تبني لرأيه. أما فنياً، تبرّأت النقابات الفنية في لبنان منه، وأصدرت النقابات مجتمعة بياناً موحّداً، حددت فيه موقفها من تصريحات الممثل باتريك مبارك، معلنة تبرّؤها مما ورد على لسانه، وداعية إلى مقاطعته.

قد تكون حالة باتريك مبارك النفسية سيئة، وقد يكون حديثه هذا ردّاً على كلام في طرف آخر، وقد يكون هذا انتقاماً من زملاء يتقدمون عليه، وكل هذا ليس مبرراً كي يتفوه فنان بهذا الخطاب لما فيه من حقد وكره تجاه الآخرين. إن اتساع دائرة المجتمع الرقمي تفرض علينا إشكالية في تحديد "مجرم الرأي"، فلو كان المقطع الصوتي على صفحة رقمية كان الإجراء يقضي بحذف التسجيل ومحاسبة صاحب الصفحة دون الالتفات إلى صاحب الصوت. في هكذا حالة، مَن الذي يجب محاسبته، هل هو مسرّب التسجيل الصوتي أو صاحب الرأي المتطرف؟ 

ولكن كلام مبارك جعل من اسمه وسماً تصدّر قائمة المتداولات على تويتر، وحقق له شهرة لم يحلم بها يوماً، والسبب بعيد غاية البعد عن الإعجاب.








إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.