أجسامنا وهياكلنا العظمية تتغيّر... وهذه هي الأسباب!

جاد محيدلي | 25 تموز 2019 | 11:00

ولدت عنزة في هولندا عام 1939، ولكن كانت هناك رقعة من الفراء في المكان الذي يُفترض أن تكون فيه قائمتها اليسرى الأمامية، أما اليمنى فكانت مشوهة للغاية وأقرب إلى ساق خشبية مبتورة في نهايتها حافر. لهذا بدا أن تحرك هذا الحيوان على قوائمه الأربع سيكون أمراً صعباً. لكن مع بلوغ هذا الحيوان شهره الثالث، تبناه معهد للطب البيطري ونقله إلى حقل، وهناك ارتجلت تلك العنزة أسلوبها الخاص في الحركة، الذي كان يقوم على الاعتماد على قائمتيها الخلفيتين للنهوض بشكل نصف مستقيم ومن ثم القفز ما جعلها تُشبه من حيث الحركة، ما بين الكنغر والأرنب. ولسوء الحظ، هلكت العنزة إثر حادث سيارة بعدما أتمت عامها الأول بقليل. لكن هيكلها العظمي كان يحمل مفاجأة أخرى للأطباء البيطريين، فعظام تلك العنزة كانت قد بدأت في التحور والتغير لتتلاءم مع طريقتها الغريبة في الحركة. وهكذا بات من الحقائق الثابتة حالياً أن هياكلنا العظمية مرنة بشكل يثير الدهشة. وإذا استُخدم الأسلوب العلمي نفسه في المستقبل، لمعرفة ملامح حياة البشر في عام 2019، فسيكتشف العلماء في ذلك الوقت، أن هناك تغيرات مُمَيزة طرأت على هياكلنا العظمية، بما يعكس أنماط حياتنا الحالية. ففي الآونة الأخيرة لوحظ وجود نتوءات عظمية شبيهة بالأشواك في الجزء الخلفي من جماجم بعض الأشخاص. وحتى وقت قريب، كان يُعتقد أن هذا النوع من النتوءات الذي بدأ رصده وتحري أسبابه منذ عام 1885 غير شائع. ويوجد هذا النتوء أو البروز في أسفل الجزء الخلفي من الجمجمة، فوق العنق مباشرة. وإذا كانت لديك واحدة منها، فسيكون بوسعك أن تحسّ بوجودها بأصابعك، بل إنه ستكون ظاهرة بالعين المجردة إذا كنت أصلع الرأس. 

ويرى العلماء في الهند أن السبب في ذلك يعود إلى التكنولوجيا الحديثة وهوسنا المستجد بالهواتف الذكية والأجهزة اللوحية. فعندما نستخدم تلك الأدوات التكنولوجية، نمد أعناقنا إلى الأمام ونحني رؤوسنا، وهو ما يسبّب مشكلات، في ضوء أن الوزن المتوسط لرأس الإنسان يصل إلى قرابة 4.5 كيلوغرامات أي ما يماثل وزن بطيخة كبيرة. وعندما نجلس في وضع مستقيم تتوازن الرأس مهما كان ثقلها، بشكل دقيق على العمود الفقري. لكن ميلنا برؤوسنا إلى الأمام لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الأجهزة الإلكترونية، يزيد الضغط على منطقة العنق لكي تصبح قادرة على تحمل ثقل الرأس. ويطلق الأطباء على الألم الذي يسببه ذلك اسم "ألم العنق المرتبط بكتابة النصوص". ومن المثير للدهشة والفضول معاً، أن تلك النتوءات ظهرت كذلك في جماجم "الرجال الأقوياء" الذين كانوا يعيشون في جزر ماريانا. ويُعتقد أن ذلك كان يعود لضرورة دعم عضلات الرقبة والأكتاف لديهم أيضاً، لتحمّل الأوزان الثقيلة التي كانوا يحملونها. يشار إلى أن علماء آخرين رفضوا هذه النظرية واعتبروا أن الإنسان من قبل كان يقرأ الكتب أو كانت تقوم النساء بالحياكة، وبالتالي لماذا لم تظهر عندهم هذه النتوءات، إلا أن علماء الهند اعتبروا أن الإنسان في وقتنا الحالي يقضي ساعات طويلة يومياً وبشكل دائم وهو يمد عنقه ويحني رأسه وهذا هو السبب.

أما في ألمانيا، اكتشف العلماء تطوراً آخر غريباً من نوعه، يتمثل في أن منطقة المرفق لدينا تنكمش على ما يبدو، وهو ما لوحظ خلال دراسة أُجريت على تلاميذ المدارس في هذا البلد لأخذ مقاييسهم الجسدية. واستهدفت الدراسة رصد التحول الذي طرأ على الهياكل العظمية لأطفال المدارس الأقوى بنية من المتوسط، في الفترة ما بين عامي 1999 و2009. وشمل ذلك حساب النسبة بين طول التلميذ وعرض مرفقَيْه. وقارن القائمون على الدراسة النتائج التي خلصوا إليها بتلك التي أظهرتها دراسة أُجريت قبل ذلك بعشر سنوات، ما قادهم إلى اكتشاف أن الهياكل العظمية للأطفال تصبح أكثر هشاشة سنة تلو الأخرى. فكّر العلماء أولاً في أن هذا قد يعود إلى عوامل جينية، لكنهم استبعدوا ذلك في ضوء أنه من الصعب أن تحدث تغيرات في الحمض النووي لسكان ألمانيا في غضون 10 سنوات لا أكثر. أما السبب الثاني المحتمل، فتمثل في أن هؤلاء الأطفال ربما يعانون من سوء التغذية. لكن ما دحض ذلك حقيقة أن هذه المشكلة غير قائمة في ألمانيا من الأساس. أما السبب الثالث الذي فكر فيه الباحثون، فتمثل في أن شباب اليوم هم جيل من الكسالى، مقارنة بما كان سائداً من قبل. إلا أن دراسة أخرى اعتبرت أن الأمر يمكن أن يكون مرتبطاً بقلّة المشي عند الجيل الجديد. من جهة أخرى، كشفت دراسة حديثة عن أنه مع اكتشاف المجتمعات الإنسانية للزراعة في العصر الحجري الحديث قبل نحو 1200 عام، طرأت تغيرات على شكل الفكّ البشري، سمحت لنا ربما بأن ننطق حروفاً جديدة مثل F وV الإنكليزيين. ويشير الباحثون إلى أن تلك التغيرات أدت إلى حدوث تغيرات في اللغات التي يتحدث بها البشر، ليزيد ما تحتوي عليه من تلك الحروف صعبة النطق من ثلاثة في المئة إلى 76 في المئة في الوقت الحالي.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.